فهرس الكتاب
الحقيقة أنَّ شيئًا في الإسلام عجيبًا، الحياة تقتضي العمل، فهذا يعمل في الطعام, خضري، أو سمَّان مثلًا، وهذا بنَّاء، وذاك قصَّاب، لكنَّ رَوعة الإسلام أنَّ أصْحاب الحِرَف إن كان لهم مجْلسُ علْمٍ فهم علماء، تجد كلامًا دقيقًا، وحكمًا صحيحًا، وإدراكًا، وهذا شيءٌ يُلفِتُ النَّظر، وهو إنسانٌ عادي له عمل، ولكن لأنَّ لهُ مجلسَ علْمٍ يتلقَّى العِلْم أسْبوعيًّا أصبح هذا على طريق العلماء، تجدُ إنسانًا له عمل، وهو في نظر الناس عادي، لكن حينما يتكلّم يتكلّم بالحكمة، ويقف الموقف المناسب، ويتصرَّف بحِكمة بالغة، وهذه هي آثار مجالس العلم.
* كيف تعامل عطاء بن أبي رباح مع الدنيا؟
أقْبلَت الدنيا على عطاء بن أبي رباح، فأعْرض عنها أشدّ الإعراض، وأباها أشدّ الإباء، وعاش عمرهُ كلَّه يلبسُ قميصًا لا يزيدُ ثمنهُ عن خمسة دراهم، ولقد دعاهُ الخلفاء إلى مصاحبتهم، فلم يَجِب دعوتهم لِخَشْيَتِهِ على دينِهِ من دُنياهم، لكنَّهُ مع ذلك كان يَثِبُ عليهم إذا وجدَ في ذلك فائدةً للمسلمين، أو خيرًا للإسلام، فإذا اتَّصَل عالمٌ بإنسان له قيمة، وشأنهُ لِصَالِحِ المسلمين، فهذا عملٌ صالح، واللهُ تعالى يتولَّى السرائر.
كما قال أبو حنيفة لما عاتبَهُ المنصور، وقد اجتمع به في أحد دور وُجهاء بغداد، قال له: (( يا أبا حنيفة لو تغشَّيتنا، فقال أبو حنيفة: ولِمَ أتغشَّاكم، وليس لي عندكم شيءٌ أخافكم عليه، وهل يتغشَّاكم إلا من خافكم على شيء؟ قال له: يا أبا حعفر, إنَّك إن قرَّبتني فتَنْتني، وإنّك إن أبْعدتني أزْريْتني، وأنا أُمثّل الإسلام ) ).
قال عثمان بنُ عطاء الخرساني: (( انْطلقْتُ مع أبي نريدُ هِشام بن عبد الملك، فلمَّا غدونا قريبًا من دمشق، إذا نحن بِشَيخٍ على حِمار أسْوَد، عليه قميص صفيق، وجبَّة، وقلنْسُوة لاصقة بِرَأسه، وركابه من خشب، فضَحِكْتُ منه، وقلتُ لأبي: مَن هذا؟! قال: اُسْكُتْ, هذا سيّد فقهاء الحجاز عطاء بن أبي رباح.