فلكل منكما يومئذ شأن يغنيه, واعلم يا بن أخي, أن الله جل وعز سوف يقتص من الحجاج لمن ظلمهم، كما سيقتص لحجاج ممن يظلمونه, فإذا ظلم اقتصّ الله منه, لكن إذا كنتَ أيضًا ظلمته, فسوف يقتص الله منه، فلا تشغلن نفسك بعد اليوم بسبِّ أحد )) .
ورد في الأثر القدسي: (( أنا ملك الملوك، ومالك الملوك, قلوب الملوك بيدي، فإن أطاعني العبادُ حوَّلتُ قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة، وإن هم عصوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالسخط والنقمة، فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك، وادعوا لهم بالصلاح، فإن صلاحهم من صلاحكم ) ).
الإمام مالك؛ إمام دار الهجرة, يقول: (( لو أن لي دعوة مستجابة لادخرتها لأولي الأمر, لأن في صلاحهم صلاح الأمة ) ).
عود نفسك على الدعاء لا على السباب.
* ابن سيرين من أولئك الرجال الذين لا يخافون في الله لومة لائم:
لهذا التابعي الجليل مواقف مِن ولاة بني أمية، مِن ذلك: أن عمر بن هبيرة الفزاري رجل بني أمية الكبير، وواليهم على العراقين, بعث إليه يدعوه إلى زيارته، فمضى إليه ومعه ابن أخيه، فلما قدِم عليه, رحّب به الوالي، وأكرم وفادته، ورفع مجلسه، وسأله عن كثير من شؤون الدين والدنيا، ثم قال له: (( كيف تركت أهل مصرك يا أبا بكر؟ قال: تركتهم والظلم فيهم فاش، وأنت عنهم لاه، فغمزه ابن أخيه بمنكبه، فالتفت إليه، وقال: إنك لستَ الذي تُسأل عنهم، وإنما أن الذي أسأل، ومن أمانة العلم تبيينه، وإنها لشهادة، ومن يكتمها فإنه آثم قلبه.
لما انفض المجلس وَدَّعه عمر بن هبيرة بمثل ما استقبله به من حفاوة وإجلال، وبعث إليه بكيس فيه ثلاثة آلاف دينار فلم يأخذها، قال له ابن أخيه: ما يمنعك أن تقبل هبة الأمير؟ قال: إنما أعطاني لخير ظنه بي، فإن كنتُ من أهل الخير كما ظن، فما ينبغي لي أن أقبل، وإن لم أكن كما ظن, فأحرى بي ألاّ أستبيح قبول ذلك )) .