أنت مؤمن، ادّعى رجلٌ عليك زورًا وبهتانًا مبلغًا من المال، فقلت: لكن ليس لك عندي شيء، ولو تساهلتَ معه لأطعمته حرامًا، وكنتَ أنت السبب، لأنك أفسدته، وفتنته في دينه.
إنّ المسلم دقيق، العطاء عطاء، الحق حق، تريد مساعدة، فهذه مساعدة، أو صدقة فهي صدقة، لكن ليس لك عندي شيء، هذا موقف دقيق، تتساهل أنا لا أحلف، فتطعمه مالًا حرامًا، وأنت السبب، المؤمن أمره دقيق، مضبوط، عنده حسابات دقيقة.
أجمل ما في هذا التابعي الجليل؛ أنّ مجلسه كان مجلس خير وبرٍّ وموعظة، فإذا ذُكر عنده رجلٌ بسوء, بادرَ فذَكَره بأحسن مما يعلم من أمره.
تعرفون القصة، عندما كان النبي بغزوة، فتفقَّد أحد الصحابة كان متخلفًا، فغمز رجل، قال: (( يا رسول الله, شغله بستانه عن الجهاد معك، فانبرى صحابي جليل، وقال: لا والله يا رسول الله، لقد تخلف عنك أناس ما نحن بأشد حبًا لك منهم، ولو علموا أنك تلقى عدوا ما تخلفوا, عندها سُر النبي كثيرًا ) ).
مرةً سمع رجلٌ يسبُّ الحجاجَ بعد وفاته، فقال له: (( صه يا بن أخي، إنّ الحَجَّاج مضى إلى ربه.
-انظروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم, حينما أسلم عكرمة بن أبي جهل لم يكن إنسان أعدى من أبيه، فالنبي عليه الصلاة والسلام حينما أسلم عكرمة قال لأصحابه: (( يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمنا مهاجرا, فلا تسبوا أباه، فإن سب الميت يؤذي الحي, ولا يبلغ الميت ) )-.
فأمام هذا التابعي الجليل رجلٌ سبَّ الحَجَّاج، فقال له: صه يا ابن أخي, إنَّ الحجاج مضى إلى ربه، وإنك حين تقدمُ على الله عز وجل ستجد؛ أنّ أحقر ذنب ارتكبته في الدنيا أشدُّ على نفسك من أعظم ذنب اجترحه الحجاج, -هذا من شأن الله عز وجل، فدعك من هذا كلِّه.
طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيه ) )-
[أخرجه الترمذي في سننه]