الصفحة 157 من 323

كان يطرفهم ويرشدهم إلى ما يقربهم إلى الله، ويفصل فيما يشجر بينهم من خلاف، وكان يطرفهم بين الحين والحين بالملحة التي تمسح الهمِّ عن نفوسهم المكدودة، من غير أن ينقص ذلك من هيبته، ووقاره عندهم شيئًا.

فإذا مع الإنسان شيء من الدعابة، لطيف، مرح، فهذا جائز وضروري، وقد كان النبي يمزح، فأحيانًا المزاح اللطيف يجدد النشاط، والمعلمون الذين يتخيّرون بعض الطرف اللطيفة الأديبة، هؤلاء يجدِّدون نشاط طلابهم.

لا يكن الأب عبوسًا قمطريرًا، فلا بد أنْ يمزح الأب مع أولاده مزاحًا لطيفًا، فآنسهم وابتسم لهم، كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل بيته بسامًا ضحاكًا، وكان يمزح، ولا يمزح إلا حقًا، وإنّ الدعابة من صفات المؤمنين.

كان الناسُ إذا رأوه في السوق، وهم غارقون غافلون انتبهوا، وذكروا الله عز وجل، وهلَّلوا وكبروا.

كان في سيرته العملية خير مرشد للناس، فما عرض له أمران في تجارته إلا أخذ بأوثقهما في دينه، ولو كانت فيها خسارة تصيب دنياه, وإنْ كان فيها شبهة تركها، فهو دائمًا مع الحلال، ترك شبهة الربا، بيع بسعرين تركه، بيع لأجل مع زيادة الثمن تركه، فأيّ قضية فيها شبهة تركها، واستوثق لدينه.

* من مواقف ابن سيرين:

له مواقف غريبة، ولكنها ليست غريبة, لقد ادّعى رجل عليه كذبًا أنّ له في ذمته درهمين، فأبى أن يعطيه إياهما، فقال له الرجل: (( أتحلف؟ وهو يظن أنه لا يحلف من أجل درهمين، فقال: نعم، وحلف له، فقال له الناس: يا أبا بكر, أتحلف من أجل درهمين، وأنت الذي تركت أمسِ أربعين ألف درهم في شيء رابك مما لا يرتاب منه غيرك؟ فقال: نعم، أحلف, -فما التعليل؟ لأنه لو لم يحلف لأكَل هذا الإنسان الدرهمين حرامًا من الإثم- قال: نعم أحلف، فإني لا أريد أن أطعمه حرامًا، وأنا أعلم أنه حرام ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت