وقد نشأ الفتى الكندي في طاعة الله، ودائمًا وأبدًا أؤكد لكم، مَن لم تكن له بداية محرقة، لم تكن له نهاية مشرقة، وتغمرني السعادة حينما أرى شابًا ناشئًا في طاعة الله، فالخير يتراكم، والقناعات تتراكم، والإيمان يتراكم، فإذا كان في هذا السن ملتزمًا مطبقًا منيبًا، فكيف إذا رأيته في الأربعين، وفي الخمسين؟ فالزمن لصالح المؤمن، يزيده تألقًا وعلمًا، ويزيده هيبةً ومكانة، ويزيده قربًا مِن الجنة، فلذلك ما من تابعي كما ترون، وما من صحابي في الأعمّ الأغلب, إلا وقد نشأ في طاعة الله النشأة المبكرة.
نشأ هذا الفتى الكندي في طاعة الله منذ حداثة سنه، فأحبه الله، وحبَّبه إلى خلقه.
بالمناسبة؛ إذا أردتَ أن يحبّك الناس لِمَا عندك من أخلاق وإيمان، فهذه في الحقيقة محبة الله لك, صدق القائل:
ينادى له في الكون أنا نحبه ... فيسمع من في الكون أمر محبنا
محبة الله تتجسد بمحبة الخلق، وإذا أبغض اللهُ الإنسانَ لانحرافه ومعصيته، ألقى بغضه في قلوب العباد، فلا أحد يحبه، أما إذا كان قويًا مُدِح في وجهه، أما العبرة فبما يُقال في غيبته، فلا تأبه، ولا تلقي بالًا، ولا تهتمّ لِمَا يقال في حضرتك، أنت أحد رجلين؛ إما أن يخافك الناس، وإما أن يرجو ما عندك، وفي الحالتين يتملقونك، ويكيلون لك المديح جزافًا، ويمدحونك بما ليس فيك، لكن الذي يُعوَّل عليه ما يُقال في غيبتك.
أقبل هذا الفتى على العلم من نعومة أظفاره، فوجد العلم فؤاده غضًا طريًا خاليًا، فتمكن منه، واستقر فيه.
أنت كالوعاء، وقد قيل:
أَتَانِي هَوَاهَا قَبْلَ أَنْ أَعْرِفَ الْهَوَى ... فَصَادَفَ قَلْبًا خَالِيًا فَتَمَكَنَّا
الإنسان إذا طلب العلم في وقت مبكر، يكون وعاؤه فارغًا، فحينما يُلقى العلم فيه يتمكن، والعلم في الصغر كالنقش في الحجر، أما إذا امتلأ بمشاغل الدنيا، وشهواتها، وطموحاتها، فلم يعُد العلمُ يصادف محلاًّ فيه.
قال الشاعر المتنبي يتحدث عن المصائب:
رَمَانِي الدَّهْرُ بِالأَرْزَاءِ حَتَّى ... فُؤَادِي فِي غِشَاءٍ مِنْ نِبَالِ
فَكُنْتُ إِذَا أَصَابَتْنِي سِهَامٌ ... تَكَسَّرَتِ النِّصَالُ عَلَى النِّصَالِ