من حكمة الله عزَّ وجل: أن الأبطال متفاوتون في أجسامهم، ترى بطلًا ضخمًا عملاقًا، وترى بطلًا نحيلًا رقيقًا، وترى بطلًا وسيم الطلعة، وترى بطلًا غير وسيم الطلعة، ترى رجلًا مربوعًا، وآخر قصيرًا، ورجلًا أبيض، وآخر غير أبيض، فالبطولة لا علاقة لها بالشكل إطلاقًا، هذه حقيقة، أنت كرجل كل قيمتك تنبع من مبادئك، وعلمك، وأخلاقك.
لذلك يُروى عن بعض التابعين أنه كان قصير القامة، أسمر اللون، مائل الذقن، ناتئ الوجنتين، غائر العينين، ليس شيءٌ من قبح المنظر إلا وهو آخذٌ منه بنصيب, وكان مع ذلك سيد قومه، إنْ غضِبَ غضِب لغضبته مائة ألف سيف، لا يسألونه فيما غضب, فالإنسان يحقِّق أعلى درجات البطولة في أي شكلٍ كان، وقد قال الشاعر:
جمال الجسمِ مع قُبْحِ النفُـ ... ـوس كقنْديلٍ على قَبرٍ المَجُوس
لكن الإنسان إذا آتاه الله عزَّ وجل شكلًا مقبولًا, فهذا من نعمة عزَّ وجل، فالنبي علَّمنا إذا نظر في المرآة, يقول: (( اللَّهُمَّ أَحْسَنْتَ خَلْقِي فَأَحْسِنْ خُلُقِي ) )
[أخرجه أحمد في مسنده عن ابن مسعود]
لماذا كان هذا التابعي نحيل الجسم، ضئيل الجرم؟ قيل: لأن أخاه زاحمه على رحم أمه، فلم يَدَعْ له مجالًا للنمو، إذًا: هو شقيق ـ أي توأم ـ لكنه لم يستطع بعد ذلك أن يزاحمه، لا هو ولا غيره؛ في مجالات العلم، والحلم، والحفظ، والفهم، والعبقريَّة.
بصراحة أقلُّ شيء عندك شكلك، وأقلّ شيء تملكه العمُرُ الزمني، لأنّ العمر لا يقاس بمدَّته، بل يقاس بأعماله البطولية، والإنسان لا يقاس بشكله، بل يقاس بإيمانه وخُلُقه.
مرة أحد الصحابة يبدو أنه وقف في مَهَبِّ رياح شديد, فرفعت ثوبَه، فبدت دقَّة ساقيه، فتبسَّم الصحابة الكرام، فقال عليه الصلاة والسلام: (( مِمَّ تَضْحَكُونَ؟ قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ, مِنْ دِقَّةِ سَاقَيْهِ, فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُمَا أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ أُحُدٍ ) )
[أخرجه أحمد في مسنده عن أبي مسعود]