الصفحة 181 من 323

وعندنا شيءٌ آخر: وهو أن هذا الذكاء، وقوة الحافظة، وحدّة الذهن، والإدراك العميق، وقوّة التفكير, هذا حظٌّ من حظوظ الدنيا، والإنسان يُمتَحَن به، فإمّا أن يرقى به، وإمّا أن يهوي، فالجهاز الذي يرفعك هو نفسه الذي يهوي بك، الآن الطائرة مِيزةٌ كبيرة، لأنها تنتقل بسرعة عالية، لكن لو أنها تعطَّلت في الجو لم يكن ثمّة حلٌ وسطٌ، ولا وقت للنزول، ولا لمخاطبة الركاب بالذهاب إلى بيوتهم، حتى يتسنّى إصلاح الطائرة، لا يوجد هذا، فميزة تحليقها في الجو، ونقل الركاب بوقت قصير جدًا، في مقابلها سيئة إذا أصابها عطب، ويُنشَر الخبر البسيط: لقد مات جميع ركَّابها، وبتعبير آخر: وقد لقي جميع الركاب حتفهم، أما السيارة فتتعطَّل، وسرعتها أبطأ، لكن لو تعطَّلت لوُجِد لها حلّ آخر.

أردت من هذا المثل؛ أن الإنسان إذا أُوتي الذكاء، والقدرات الفائقة، هذه ترقى به ولا شك، لكن لو أنه استخدمها على خلاف ما أراد الله عزَّ وجل لَهَوَتْ به، فالقدرات العالية كما أنها ترقى فإنها تُهلك، فمثلًا: يكون الشخصُ يسير بسيارة، وأغلب الظن أنْ لا مشلكة، فلو سار بسرعة مائة وعشرين، ثمّ سها سهوة، ماذا يحدث؟ أحيانًا الإنسان يعطس وهو يقود السيارة، هذه العطسة فيها تغميض العينين ثانية واحدة، فيشعر بالخطر، لأنه يسير بسرعة كبيرة، فكلَّما أسرعت يجب أن تكون أكثر يقظةً ونباهةً، وكلُّ شيء فيه ميزة في مقابلها مغرم، وكل مغنمٍ يقابله مغرم، فالذي أوتي حظًا من الذكاء, هذا امتُحِن بالذكاء، لكن فيما لو لم يؤمن بالله عزَّ وجل، لكان هذا الذكاء وبالًا عليه.

وقد روي عنه أنه قال: ما كتبت سوداء في بيضاء قط, ماذا يعني هذا الكلام؟ أنه لشدة حافظته، لاتقاد ذهنه، لقوة ذاكرته, ما احتاج أن يكتب كلمةً سوداء على ورقةٍ بيضاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت