الصفحة 190 من 323

الحقيقة أنّ الإنسان إذا وفَّقه اللهُ, فإنه يوفِّقه لاتخاذ أعوان مخلصين، أصحاب فطانة، يحسنون التصرُّف، فأحيانًا تكون الآفة من الأعوان، والنبي دعا بالبطانة الصالحة التي تدلُّ على الخير، وتعين عليه، واستعاذ بالله من بطانة السوء التي تدلّ على الشر، وتعين عليه، والإنسان إذا اتّخذ صديقًا، أو اتخذ معينًا، إنْ كان مدير معمل، مدير دائرة، مدير مستشفى، مدير مدرسة، فيتخذ إنسانًا أخلاقه عالية، وذكيًا حصيفًا، وإلا فالمعين السيء يدمِّره.

لقد بلغ الشعبي في العلم منزلةً جعلته رابع ثلاثةٍ في عصره، فقد كان الزهري يقول: (( العلماء أربعة؛ سعيد بن المسيِّب في المدينة، وعامر الشعبي في الكوفة، والحسن البصري في البصرة، ومكحولٌ في الشام ) )لكن الشعبي كان بتواضعه يخجل إذا ألبَسه أحد لقب العالِم، فقد خاطبه أحدهم قائلًا: (( أجبني أيها الفقيه العالِم، قال: ويحك لا تُطْرِنَا بما ليس فينا، الفقيهُ من تورَّع عن محارم الله، والعالِمُ من خشيَ الله، وأين نحن من ذلك؟ ) ).

كان في الشام عالِم من العلماء، وهو الشيخ بدر الدين الحسني، هذا علَّم العلماء كلهم، وكان هذا العالم الجليل إذا غضب تغضب له كل البلاد، مرَّة سأله واحد فضولي, فقال له: سيدي لفَّتتك ليست بيضاء، أي لماذا لا تضع لفَّة بيضاء يا سيدي؟ فقال له: يا بني, هؤلاء الذين يضعون اللفة البيضاء علماء.

وسأله مرة واحد: ما مذهبك؟ فقال له: يا بني, العوام لا مذهبَ لهم، العوام يقلدون تقليدًا، وليس لهم مذهب، لقد كان متواضعًا، حتى إنه لم يُصَلِّ بالناس أبدًا، ولا سمح لأحد أن يقبِّل يده، ولو وزنته بالعلم, لكان سيد العلماء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت