الصفحة 242 من 323

وما لم يكن هذا المقياس سائدًا في المجتمع, فالمجتمع متخلف، وأيّة قيمة يوزن بها الإنسان غير قيمة العلم والعمل والتقوى، فهذا دليل تخلف المجتمع، وكان سعيد بن جبير حديثَ السن، حبشي الأصل، عربي الولاء، أدرك أن العلم وحده هو الذي يرفعه، وأن التقى وحدها هي التي تكرمه، وتبلغه الجنة، لذلك قالوا: (( تعلموا العلم، فإن كنتم سادةً فُقْتُمْ، وإن كنتم وسطًا سُدْتُم، وإن كنْتُم سوقةً عِشْتُم ) ).

لو فرضنا إنسانًا والده شخص عاديّ، فقير لا في مال، ولا في جاه، طريق المجد مفتوح أمامه على مصراعيه من خلال العلم، فأي إنسان لو كان والده من الطبقة الدنِيا في المجتمع، لكنه إذا سلك طريق العلم تألّق نجمه، وعلا اسمُه، وأصبح يشار إليه بالبنان.

أدرك هذا الفتى أن العلم هو الطريق الوحيد إلى الرفعة، وأن التقى هي الطريق الوحيدة إلى الجنة، فجعل التقى عن يمينه، والعلم عن شماله، وشدّ عليهما بكلتا يديه، وانطلق يقطع بهما رحلة الحياة، غير وَانٍ ولا متمهل.

فمنذ نعومة أظفاره كان الناس يرونه إمَّا عاكفًا على كتاب يتعلم، أو صافًّا في محراب يتعبد، فهو بين طلب العلم والعبادة، إما في حالة تعلم، أو في حالة تعبد، والتعلم غذاء العقل، والتعبد غذاء القلب، والإنسان عقل وقلب وجسم، لكن الجسم يستوي فيه مع الحيوان، الجسم غذاؤه الطعام والشراب، والعقل غذاؤه العلم، والقلب غذاؤه التعبد.

أخذ هذا الفتى العلم عن طائفة مِن جلّة الصحابة، مِن أمثال أبي سعيد الخدري، وعدي بن حاتم الطائي، وأبي موسى الأشعري، وأبي هريرة الدوسي، وعبد الله بن عمر، وعائشة أم المؤمنين، رَضِي اللَّه تعالى عَنْهم أجمعين، لكن أستاذه الأكبر، ومعلمه الأعظم، كان عبد الله بن عباس، حبر الأمة، وبَحر علمها الزاخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت