الصفحة 243 من 323

لزِم سعيدُ بن جبير عبدَ الله بن عباس لزومَ الظلِّ لصاحبه، فأخذ عنه القرآن وتفسيره، والحديث وغريبه، وتفقّه على يديه في الدين، وتعلّم منه التأويل, ودرس عليه اللغة، فتمّكن منها أعظم تمكين، حتى غدا, وما على ظهر الأرض أحد من أهل زمانه, إلا وهو محتاج إلى علمه، لقد بلغ القمة، ثم طاف في ديار المسلمين بحثًا عن المعرفة ما شاء الله أن يطوف، فلما اكتمل له ما أراد من العلم, اتخذ الكوفة له دارًا ومقامًا، وغدا إلى أهلها معلمًا وإماما، وكان يؤم الناس في رمضان، فيقرأ ليلة بقراءة عبد الله بن مسعود، وكان جامعًا للقراءات، وأخرى بقراءة زيد بن ثابت، وثالثة بقراءة غيرهما، وهكذا، وكان إذا صلى منفردًا, ربما قرأ السورة الطويلة من القرآن، وكان إذا مرّ بقول الله عز وجل:

{فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ}

[سورة غافر الآية: 70 ـ 72]

أو مرَّ بنحوها من آيات الوعد والوعيد اقشعر جلده، وتصدع فؤاده، وهملتْ عيناه، ثم لا يزال يبدأ فيها ويعيد حتى يوشك أن يقضي نحبه، فصلاة الليل أحد أكبر مصارد سعادته.

وقد دأَب على شدِّ رحاله إلى بيت الله الحرام كل عام مرتين، مرةً في رجب محرِمًا بعمره، وأخرى في ذي القعدة محرِمًا بحج، وقد كان طلاب العلم والخير والبِّرِّ والنصح يتوافدون على الكوفة, لينهلوا من مناهل سعيد بن جبير العذبة، ويغترفوا من هديه القويم، فهذا يسأله عن الخشية، فيجيبه: الخشية أن تخشى الله عز وجل حتى تحول خشيتك بينك وبين معاصيك، ومَن هو الذي يخشى الله؟ هو الذي لا يعصيه، فإذا حالت الخشية بينك وبين معاصيك, فأنت ممَّن يخشى الله، وإذا سئل عن الذِّكر ما هو؟ يقول: الذكر طاعة الله عز وجل، فمَن أقبل على الله وأطاعه, فقدْ ذكَره، ومَن أعرض عنه ولم يطِعْه, فليس بذاكر، ولو بات ليلة يسبِّح ويتلو.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت