لقد وَضَعَ يده على جوهر الدين، فما دام هناك مخالفات ومعاصٍ، لو أمضيت ليلة بكاملها تسبح وتتلو وتقرأ، فهذا لا يعبأ به أحد، الأصل أن تؤدِّيَ الواجبات، وأن تعطيَ الحقوق، وقد كانت الكوفة حينما اتخذها سعيد بن جبير دارَ إقامةٍ له خاضعةً للحجاج بن يوسف الثقفي، فيجب على أهل العلم أن يكونوا في معزل عن الوحول، عن وحول الأحداث اليومية، والصراعات، والأخذ والرد، لأنهم إذا اقتربوا من هذه المنطقة الخطرة ربما ضَحَّوْا بعلمهم، أو ربما قطعَ خيرهم، فالأَوْلى أن يصون أهلُ العلم علمَهم عن الابتذال.
كان الحجاج واليًا على العراق والمشرق وبلاد ما وراء النهر، وكان يتربّع حينئذٍ على ذروة سطوته وسلطانه، وذلك بعد أن قَتَلَ عبدُ الله بنُ الزبير، وقَضَى على حركته، وأخْضعَ العراقَ لسلطان بن أمية، وأخمد نيران الثورات القائمة هنا وهناك، وأعمل السيف في رقاب العباد، وأشاع الرعب في أرجاء البلاد، حتى امتلأت القلوبُ رهبةً منه، وخشيةً من بطشه، كلكم درس في الصف العاشر * * * خطبته الشهيرة:
أما بعد؛ فإني قد رأيت رؤوسًا قد أينعت، وحان قطافها، وإني لصاحبها، له خطبة شهيرة جدًا، ونحن لا يعنينا الحجاج، فليس من أهل العلم، لكن يعنينا أن يَحدُث تداخلٌ بين أهل العلم وأهل الحكم، ثم شاء الله أن يقع صدامٌ بين الحجاج بن يوسف الثقفي وبين عبد الرحمن بن الأشعث، أحد كبار قوّاده، فكيف حصل هذا الخلاف؟.
الآن نحن مضطرون أن ندرس جانبًا ممَّا نشب مِن خلافٍ بين الحجاج وبين هذا القائد، لأنه هناك مداخلة في هذا الموضوع، بين سعيد بن جبير، وبين أحداث الخلاف بين الحجاج، وبين قائده الكبير الأشعث، أحد كبار قواده.