فهرس الكتاب
فأطبق الجندُ على بيت الشيخ، وألقوا القيد في يديه على مرأى من بعض أصحابه، وآذنوه بالرحيل إلى الحجاج، فتلقاهم هادئ النفس، مطمئنَ القلب، ثم التفت إلى أصحابه، وقال: ما أراني إلا مقتولًا على يد هذا الظالم، ولقد كنتُ أنا وصاحبان لي في ليلة عبادة، فاستشعرنا حلاوة الدعاء، فدعونا الله بما دعونا، وتضرّعنا إليه بما شاء مِن تضرع، ثم سألنا الله أن يكتب لنا الشهادة، وقد رزقها اللهُ صاحبيَّ كليهما، وبقيتُ أنا أنتظرها، ثم إنه ما كاد أن ينتهي من كلامه، حتى طلعت عليه بُنَيَّةُ صغيرة له، فرأته مقيدًا، والجنودُ يسوقونه، فتشبثت به، وجعلت تبكي وتنشج، فنحاها عنه برفق، وقال لها: قولي لأمك يا بنية: إن موعدنا الجنة إن شاء الله تعالى، ثم مضى، فبلغ الجندُ بالإمام الحبر, العابد الزاهد, التقي النقي واسطًا، وأدخلوه على الحجاج.
فلما صار عنده، نظر إليه في حقد، وقال: ما اسمك؟ قال: سعيد بن جبير، فقال: بل شقي بن كسير، قال: بل كانت أُمِّي أعلمَ باسمي منك، قال: ما تقول في محمد؟ قال: تعني محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، قال: نعم، قال: سيد ولد آدم، النبي المصطفى، خير من بقي من البشر، وخير من مضى، حمل الرسالة, وأدى الأمانة، ونصح لله, ولكتابه, ولعامة المسلمين، وخاصتهم.
قال: فما تقول في أبي بكر؟ قال: هو الصديق خليفة رسول الله، ذهب حميدًا، وعاش سعيدًا، ومضى على منهاج النبي صلوات الله وسلامه عليه، لم يغيِّر، ولم يبدل.
قال: فما تقول في عمر؟ قال: هو الفاروق الذي فرّق الله به بين الحق والباطل، وخيرة الله من خلقه، وخيرة رسوله، ولقد مضى على منهاج صاحبَيْه، فعاش حميدًا، وقتل شهيدًا.
قال: فما تقول في عثمان؟ قال: هو المجهِّزُ لجيش العسرة، الحافرُ لبئر رومة، المشتري لبيت لنفسه في الجنة، صهر رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ابنتيه، ولقد زوَّجه النبي بوحي من السماء، وهو المقتول ظلمًا.