فهرس الكتاب
* ما هي البلدة التي اتخذها سعيد بن جبير مخبئًا له من الحجاج, ومن هو الوالي الذي كشف مخبئه, وما هو الدعاء الذي ناجى سعيد به ربه قبل قتله؟
نحن هنا دخلنا في القصة مرة ثانية، سعيد بن جبير إذا وقع بين يدي الحجاج فلا بد أن يقتله، فإما أن تُدَقَّ عنقُه، وإمّا أنْ يُقِرّ على نفسه بالكفر، وهما أمران أحلاهما مرٌّ، فآثر أن يخرج من بلاد العراق، وأن يتوارى عن الأنظار، وظلّ يضرب في أرض الله الواسعة مستخفيًا عن الحجاج وعيونه، حتى لجأ إلى قرية صغيرة مِن أراضي مكة، وبقي على حاله هذه عشر حججٍ كاملات، عشر سنوات وهو مختفٍّ، كانت كافيةً أن تطفِئ نيران الحجاج المتّقدة في قلبه، وأن تزيل ما في نفسه من ضغنٍ عليه.
بَيْدَ أنه حدث ما لم يكن يتوقعه أحد، ذلك أنه قدم على مكة والٍ جديد من ولاة بني أمية، هو خالد بن عبد الله القسري، فتوجّس أصحاب سعيد بن جبير خِيفةً منه، لِمَا كان يعرفون من سوء سيرته، وتوقعوا الشرَّ على يديه، فجاء بعضهم إلى سعيد، وقال له: (( إنّ هذا الرجل قدِم مكة، وإنا واللهِ لا نأمنه عليك، فاستجبْ لطلبنا، واخرجْ من هذا البلد، فقال: واللهِ لقد فررتُ حتى صرتُ أستحي من الله، ولقد عزمتُ على أن أبقى في مكاني هذا، وليفعْل اللهُ بي ما يشاء، لم يكذب خالدًا ظنُّ السوء الذي ظنه الناس به، فما أنْ علِم بمكان سعيد بن جبير حتى أرسل إليه سرية من جنوده، وأمرهم أن يسوقوه مقيدًا إلى الحجاج في مدينة واسط.