الصفحة 249 من 323

ولقد ذاعت أخبار تلك الحادثة التي قتل فيها أشخاص كثيرون، ونجا منها أشخاص بعد أن دمغوا أنفسهم بالكفر، مِن ذلك أن شيخًا معمَّرًا من قبيلة خثعم، كان معتزلًا للفريقين، مقيمًا وراء الفرات، سِيق إلى الحجاج مع مَن سيقوا إليه، فلما ادخل عليه سأله عن حاله، فقال: مازلت منذ شبَت هذه النار معتزلًا وراء هذا النهر، منتظرًا ما يسفرُ عنه القتال، فلما ظهرتَ وظفرتَ أتيتك مبايعًا، فقال: تبًا لك، أتقعد متربصًا، ولا تقاتل مع أميرك، ثم زجره قائلًا: أتشهد على نفسك بأنك كافر؟ قال: بئس الرجل أنا, إنْ كنتُ عبدت الله ثمانين عامًا، ثم أشهد بعد ذلك على نفسي بالكفر، فقال له: إذًا أقتلك، قال: وإنْ قتلتني، فو الله ما بقي من عمري إلا ظمأ حمار، يعني ساعات قليلة، فإنه يشرب غدوة، ويموت عشية، وإني لأنتظر الموت صباحًا ومساء، فافعل ما بدا لك، فقال الحجاج لجلاده: اضرب عنقه، فضرب الجلاد عنقه.

دعا كميل بن زياد النخعي، وقال له: أتشهد على نفسك بالكفر؟ فقال: والله لا أشهد، قال: إذًا أقتلك، قال: فاقضِ ما أنت قاض، وإنَّ الموعد فيما بيننا عند الله، وبعدَ القتل، فقال له الحجاج: ستكون الحُجَّة يومئذٍ عليك لا لك، فقال له: ذلك إذا كنتَ أنت القاضيَ يومئذٍ، فقال الحجاج: اقتلوه، فَقَدِّم وقتل.

قُدِّم إليه رجل آخر كان يكرهه الحجاج أشدّ الكراهية، ويشتهي أن يظفر بقتله، لِما كان ينقل له من سخريته به، فبادَره قائلًا: إني أرى أمامي رجلًا ما أظنه يشهد على نفسه بالكفر، فقال له الرجل: لا تورطني، وتخدعني عن نفسي، أنا أكفر أهل الأرض، وأكفر من فرعون ذي الأوتاد، فخلّى سبيله، وهو يتحرق ظمأً لقتله )) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت