فهرس الكتاب
أيها الأخوة, لكن سلمة بن دينار قاضي المدينة، وعالمها الحجّة، وإمامها الثقة, لم يكن في عداد من زاروا الخليفة مرحَّبِين مسلِّمين، وليس هذا جفاءً، ولكنه موقف له، ولما فرغ سليمان بن عبد الملك من استقبال المرحِّبين به، قال لبعض جلسائه: (( إن النفوس لتصدأ كما تصدأ المعادن، إذا لم تجد من يذكرها الفينة بعد الفينة، ويجلو عنها صدأها.
-وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (( إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد، قيل: وما جلاؤها؟ قال: تلاوة القرآن، وذكر الموت ) )
[أخرجه البيهقي في الشعب من حديث ابن عمر]
ذكرت هذا مرات عديدة: في الدين كليات ثلاث: كلية معرفية، نشاط فكري، تعلُّم، عِلم، قراءة، مُدارسة، حضور مجلس علم، تأمُّل، تفكُّر، هذا كله نشاط فكري، وفي الدين نشاط سلوكي: استقامة، غضُّ بصر، تحريرُ دخل، إنفاق في الوجوه المشروعة، ضبط لسان، ضبط عين، ضبط أذن، ضبط يد، سلوك، السلوك له جانبان؛ جانب سلبي، الامتناع عن المعصية، وجانب إيجابي، وهناك كلية ثالثة في الدين: كلية نفسية؛ فالقلب لا بد أن يتصل بالله حتى يسعد، وهذا بالذكر.
فالكليات الثلاث: تعلُّم، ذِكْر، عمَل، فإذا وازن المسلم بين هذه الكليات الثلاث تَفوَّق، أمّّا إذا طغت كُلِّيَّة على باقي الكليات، دخل في تطرف، نحن نريد التفوّق لا التطرف، نريد للدين أن يعود كما بدأ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَال: َ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا, وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا, فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ ) )
[أخرجه مسلم في الصحيح]
لن نرقى في هذا الدين إلا إذا توازنّا في النمو في كلياته الثلاث، التعلُّم غذاء للعقل، والسلوك والانضباط هي العبودية لله عز وجل، والذكر، والتلاوة، والاستغفار, والدعاء، هذا غذاء القلب.