الصفحة 26 من 323

قرأتُ مرَّةً مقالة في مَجلَّة مفادها أنَّ في حياة الإنسان ثلاثة أشياء؛ الوقت والصحّة والمال، ومن أجل أن تزهدوا في هذه الدنيا، ففي مرحلة الشباب الصحَّة متوفِّرة، وليس عندهُ مشكلة، تجده يطحن الحجارة، ولكن لا يوجد المال، وفي المرحلة الثانية الصَّحة موفورة، والمال موفور، ولكن ليس لديه الوقت لِيَتَنَعَّم بالمال، من لِقاء إلى لِقاء، واجْتِماعات، دوام، وعمل مضنٍ، وهموم، ولو ذهَب إلى نزْهة لوجدتَهُ ساهيًا, وفي المرحلة الثالثة المال موجود، تقاعَدَ, سلَّم أولادهُ زمام الأمور، والوقت موجود, ولكن لا توجد الصحَّة في جِسْمِهِ, خمسون علَّة، وهذه هي الحياة؛ تغرُّ، وتَضُرّ، وتمُرّ، ولكن حياة المؤمن ليست هكذا، المؤمن عرف هدفهُ من بداية الحياة، وشكَّل حياتهُ تشْكيلًا إسلاميًّا، وجعل هدفهُ واضِحًا، وجنَّدَ طاقاته ونشاطاته ومالهِ ووقتهُ في سبيل هذا الهدف، لاحِظ إنْ أتَيْتَ بِعَدسة، ووقفتَ تحت أشعَّة الشَّمس, وجعلتَ مِحْرقها تحت ورقة، فستحترق هذه الورقة, فالذي حدث أنَّ هذه الأشعّة اجْتمَعت في نقطة فأحْرَقَتْ، والإنسان إذا تجمَّعَتْ طاقاتهُ في شيءٍ واحد يُحَقِّق المستحيل، أما أهل الدنيا فهم مبعْثَرون مُشَتَّتون، أما المؤمن فهو مجموع، عضلاته وخِبْراته وعلمه ومالهِ وذكاؤه وثقافته ومطالعته وطلاقة لِسانه, يفعل بها المستحيل، وكلّ ذلك في سبيل الله.

هذا التابعي الجليل, قال: شطر في حلقات الذِّكْر يقرأُ فيه الناس القرآن الكريم في مسجد البصرة، وشطْر في خَلَوات العبادة ينتصبُ فيه قائمًا بين يدي الله عز وجل حتى تَكِلَّ قدَماه، وشطْرٌ في ساحات الجهاد يسَلّ فيها سيْفًا غازِيًا في سبيل الله، فهو في الجهاد تارةً، وفي العبادة تارةً أخرى، وفي طلب العلم وتعليمه تارةً ثالثة، ولمْ يتْرك في حياته موضِعًا لشيءٍ غير ذلك، حتى دُعِيَ بِعَابِدِ البصْرة، وزاهدها الأوَّل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت