الصفحة 267 من 323

* رسالة من سلمة بن دينار إلى أحد أمراء بني أمية:

في ذات سنة, نفَرَ سلمة بن دينار مع جيوش المسلمين المتجهة إلى بلاد الروم، يبتغي الجهاد في سبيل الله، فلما بلغ الجيش آخر مرحلة من مراحل السفر، آثر الراحة والاستجمام قبل أن يلقى العدو، ويخوض المعارك، وقد كان في الجيش أميرٌ من أمراء بني أمية، فأرسل هذا الأمير رسولًا إلى أبي حازم, يقول له: (( إنّ الأمير يدعوك إليه لتحدثه وتفقِّهه، فكتب إلى الأمير, يقول:

أيها الأمير، لقد أدركتُ أهل العلم، وهم لا يحملون الديَن إلى أهل الدنيا، ولا أحسبك تريد أن أكون أولَ من يفعل ذلك، فإنْ كانت لك بنا حاجة فاتِنا، والسلام عليك, وعلى من معك، فلما قرأ الأمير الرسالة مضى إليه وحيّاه وبيّاه، وقال: يا أبا حازم، لقد وقفنا على ما كتبتَه لنا، فازددتَ به كرامةً عندنا، وعزةً لدينا، فذكِّرْنا وعِظْنا، جُزيتَ عنا خيرَ الجزاء، فطفِق أبو حازم يعظه ويذكّره، وكان من جملة ما قاله له:

انظر ما تحب أن يكون معك في الآخرة، فاحرصْ عليه في الدنيا، -ماذا تحب أن يكون في قبرك؟ العمل الصالح والاستقامة، فاحرص عليهما في الدنيا- وانظر ما تكره أن يكون معك هناك, فازهدْ فيه هنا، واعلم أيها الأمير, أنه إن نفق الباطل عندك وراج, أقبل عليك المبطلون المنافقون، والتفّوا حولك، وإن نفق عندك الحق وراج, التفّ حولك أهلُ الخير وأعانوك عليه، فاختَرْ لنفسك ما يحلو )) .

لمّا أقبل الموتُ على أبي حازم, قال له أصحابه: (( كيف تجدك يا أبا حازم؟ فقال: لئِن نجَوْنا مِن شرِّ ما أصبناه من الدنيا, فما يضرّنا ما زُوِيَ عنا منها، ثم قرأ الآية الكريمة:

{إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا}

[سورة مريم الآية: 96]

وما زال يردِّدها حتى أتاه اليقين )) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت