الصفحة 266 من 323

كما قال أبو حازم: ولا تنسَ يا عبد الرحمن, أن يَسيرَ الدنيا يشغلنا عن كثير الآخرة- وكل نعمة لا تقرِّبك من الله عز وجل, فهي نقمة، فقال له ابنه: إن أشياخنا كثيرون، فبمن نقتدي منهم؟ قال: يا بني, اقتدِ بمَن يخاف الله في ظهر الغيب، ويَعِفُّ عن التلبُّس بالعيب، ويصلح نفسه في أوان الصبا، ولا يرجئ ذلك إلى عهد الشيب، واعلم يا بني, أنه ما من يوم تطلع فيه الشمس، إلا ويقبل على طالب العلم هواه وعلمه، ثم يتغالبان في صدره تغالبَ المتخاصمَيْن، فإذا غلب علمُه هواه, كان يومُه يومَ غُرم له، وإذا غلب هواه علمَه, كان يومُه يومَ خسران عليه.

-كلكم طلاب علم، هناك علم تعلمته من الكتاب والسنة، وعندك رغبات، فإذا غلب علمُك رغباتِك, فهذا اليوم يومُ ربحٍ وغُرم، وإذا غلب الهوى علمَك, فهذا اليوم يومُ خسارة-.

قال له عبد الرحمن: كثيرًا ما حضضتنا على الشكر يا أبا حازم، فما حقيقة الشكر؟ قال أبو حازم: لكل عضو من أعضائنا حقٌّ علينا من الشكر، قال عبد الرحمن: وما شكرُ العينين؟ قال: إن رأيتَ بهما خيرًا أعلنته، وإنْ رأيت بهما شرًا سترته، قال: فما شكرُ الأذنين؟ قال: إن سمعت بهما خيرًا وعيتَه، وإنْ سمعتَ بهما شرًا دفنته، قال: فما شكرُ اليدين؟ قال: ألاّ تأخذَ بهما ما ليس لك، وألاّ تمنع بهما حقًّا مِن حقوق الله، قال: ولا يَفُتْكَ يا عبد الرحمن, أن من يقصُر شكرَه على لسانه، ولا يشرك معه جميعَ أعضائه وجنانه، فمَثلُه كمثل رجل له كساء, غير أنه أخذ بطرفه, ولم يلبسْه )) .

هناك شكر اللسان، وشكر القلب، وشكر العمل، فمن الناس مَنْ يشكر بالكلام فقط، يا رب لك الحمد، لكن لا يخدم إنسانًا، وليس في قلبه امتنان، ولا في سلوكه, ما يؤكد ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت