فهرس الكتاب
اجهد أن يراك حيث نهاك، وألاّ يفتقدك حيث أمرك، فما كاد أبو حازم يبلغ بيته حتى وجد أن الأمير قد بعث إليه بصرة مُلأتْ دنانير، وكتب إليه يقول: أَنْفقها ولك مثلها كثيرٌ عندي، فرَدَّها، وكتب إليه, يقول: يا أمير المؤمنين، أعوذ بالله أن يكون سؤالك إياي هزلًا، ورَدِّي عليك باطلًا، فو اللهِ ما أرضى ذلك يا أمير المؤمنين لك، فكيف أرضاه لنفسي؟ يا أمير المؤمنين إنْ كانت هذه الدنانير لقاءَ حديثي لك, فالميتة ولحم الخنزير في حال الاضطرار أحلُّ من هذه الدنانير، وإن كانت حقًا لي من بيت مال المسلمين, فهل سوَّيتَ بيني وبين الناس جميعًا في هذا الحق؟ )) .
كان منزل سلمة بن دينار موردًا عذبًا لطلاب العلم والصلاح، ولا فرق في ذلك بين أخوانه وطلابه، فقدْ دخل عليه مرة عبد الرحمن بن جرير ومعه ابنه، وأخذا مجلسهما عنده، وسلّما عليه، ودعَوا له بخيرَي الدنيا والآخرة، فردّ التحية بأحسن منها، ورحّب بهما، ثم دار بينهم الحديث، قال عبد الرحمن بن جرير: (( كيف نحظى بالفتوح يا أبا حازم؟ -الفتوح بمعنى فتوح القلب، يعني اليقظة، والاتصال بالله- فقال أبو حازم: عند تصحيح الضمائر تُغفَر الكبائر، وإذا عزم العبدُ على ترك الآثام فتحَ عليه، ولا تنسَ يا عبد الرحمن, أن يَسِيرَ الدنيا يشغلنا عن كثير الآخرة.
-قلت لأحدهم من يومين: أحيانًا الإنسان يكون متلبِّسًا بمعاصٍ كثيرة، فهذا محجوب، فالمقدمة تكافئ النتيجة، لكن الألم والندم لإنسان طاهر مستقيم، مشغول بربه عز وجل، فلا شيء يشغله، ولا معاصي كبيرة, حجبته عن ربه.