الصفحة 273 من 323

مرة دخل عليه طاووس في أيام الشتاء الباردة، ومعه وهبُ بن منبِّه، فلما أخذا مجلسيهما عنده, طفق طاووسُ يعظه، ويرغِّبه، ويرهِّبه، والناسُ جلوسٌ بين يديه، فقال الوالي لأحدِ حُجَّابه: (( يا غلام, أحضِر طيلسانًا، وألقِه على كتفي أبي عبد الرحمن، فعمد الحاجبُ إلى طيلسانٍ ثمين، وألقاه على كتفي طاووس، لكنَّ طاووس ظلَّ متدفِّقًا في موعظته، وجعل يحرِّك كتفيه في تُؤدة, حتى ألقى الطيلسانَ عن عاتقه، حركتان أو ثلاث، دفع الطيلسان إلى خلف ظهره، وهبَّ واقفا وانصرف، -أي ما قبِل هذا العطاء- فغضب محمدّ بن يوسف غضبا, ظهر في احمرار عينيه، واحتقان وجهه، فلما صار طاووس وصاحبه خارج المجلس، قال وهبٌ لطاووس:

واللهِ لقد كنا في غنًى عن إثارة غضبه علينا، فماذا كان يضيرُك لو أخذتَ الطيلسان, ثم بِعته، وتصدَّقت بثمنه على الفقراء والمساكين؟ فقال طاووس: هو ما تقول: أن آخذه، وأن أبيعه، وأن أتصدَّق بثمنه على الفقراء والمساكين، قال: نعم، قال: فإذا قال الناسُ أو العلماء من بعدي: نأخذ كما أخذ طاووس، -صرتُ قدوةً لهم- ثم لا يصنعون فيما أخذوه ما تقول )) أنت ترى أن آخذ الطيلسان، وأن أبيعه، وأن أدفع ثمنه للفقراء والمساكين، شيء جميل، الذين يأتون من بعدي يقولون: نأخذ كما أخذ طاووس، ولا يفعلون ما تقول أنت.

* فخ نصب لذكوان بن كيسان ونجا منه بإذن الله:

لكن محمد بن يوسف الثقفي أراد أن يردَّ لطاووس الحجرَ من حيث جاء، ولكن بذكاء وبحنكة، نصبَ له شَركا من شراكه، حيث أعدَّ صُرَّةً فيها سبعمائة دينار، واختار رجلا حاذقا من رجال حاشيته، وقال له: (( امضِ بهذه الصرة إلى طاووس بن كيسان، واحتلْ عليه في أخْذِها، فإن أخذَها منك, أجزلتُ عطيَّتك، وكسوتك، وقرَّبتك، -أي تستطيع أنْ تعطيه إياها- فخرج الرجلُ بالصرة, حتى أتى طاووسا في قرية, كان يقيم بها بالقرب من صنعاء، يقال لها: الجَنَد، فلما صار عنده حيَّاه وآنسه، وقال له:

يا أبا عبد الرحمن, هذه نفقة بعث بها الأمير إليك، فقال أبو عبد الرحمن: مالي بها من حاجة، فاحتال بكل طريق ليقبلها, فأبى، وأدلى له بكل حجَّة, فرفض، فما كان منه إلا أن اغتنم غفلةً من طاووس، ورمى بالصرة في كُوَّة, كانت في جدار البيت، وعاد راجعا إلى الأمير، وقال: لقد أخذ طاووسُ الصرة أيها الأمير، فسُرَّ بذلك محمدُ بن يوسف، وسكت عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت