فهرس الكتاب
1 -الخليفة الحجاج بن يوسف الثقفي:
حدَّث طاووسُ بن كيسان, فقال: (( بينما أنا في مكة حاجًّا، بعث إليَّ الحجَّاجُ بن يوسف الثقفي، فلما دخلتُ عليه, رحَّب بي، وأدنى مجلسي منه، وطرح إليَّ وسادةً، ودعاني لأن أتَّكئ عليها، ثم راح يسألني عما أشكل عليه من مناسك الحج، وفيما نحن كذلك, سمع الحجَّاج ملبِّيا يلبِّي حول البيت، ويرفع صوته بالتلبية، وله نبرةٌ تهزُّ القلوبَ هزًّا، -يبدو من الإنسان الصادق أحيانا, أنه يلفت النظرَ بدعائه وتضرُّعه- فقال الحجاجُ: عليَّ بهذا الملبِّي، عليَّ به، فأوتي له به، فقال له: ممن الرجل؟ فقال: من المسلمين، فقال: لم أسألك عن هذا، إنما سألتك عن البلد، قال: من أهل اليمن، قال: كيف تركتم أميركم؟ قال: تركته عظيما جسيما, لبَّاسا ركَّابا، خرَّاجا ولاَّجا، -أي أكل، وشرب، وبيت، ومركب، ونزهات، ومداخلات، وصف فيه إيجاز- فقال الحجاجُ: ليس عن هذا سألتك، فقال: عما سألتني إذًا؟ قال: سألتك عن سيرته فيكم، عن أخلاقه، قال: تركته ظلوما غشوما، مطيعا للمخلوق، عاصيًا للخالق، ويأتيك بالأخبار مَن لم تزوِّد، -هذا معنى قول الله عز وجل:
{إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ}
[سورة الحج الآية: 38]
أحيانا الإنسان يظهر أحسن أعماله لمَن فوقه، واللهُ عز وجل بطريقة أو بأخرى, تُنقَل الصورة السوداء للجهة الأعلى عن الأدنى، من دون قصد- فاحمرَّ وجهُ الحجاج خجلا من جلسائه، وقال: ما حملك على أن تقول فيه ما قلته، وتعلم أنت مكانه مني؟ فقال: أتراه بمكانه منك أعزَّ منك بمكاني مِنَ الله، وأنا وافدٌ بيته، مصدِّقٌ نبيَّه، قاضي دينه، أكذب على الله في بيته؟.