الصفحة 289 من 323

إنها فتنة، فكيف أنّ النبيُّ بوفائه, وعفوه, ورحمته, وحكمته, وبسياسته, حلَّ مشكلتهم, حتى بكوا وأخضلوا لحاهم؟.

مرة قلت لكم: إن أحد الخلفاء جاءته رسالةٌ من مواطن عادي: (( أما بعد؛ فيا معاوية، إن رجالك قد دخلوا أرضي، فَانْهَهُمْ عن ذلك، وإلا كان لي ولك شأنٌ، والسلام, أعطاها لابنه، فلما قرأها صار يرجف، قال: أرى أن ترسل له جيشا, أولُه عنده وآخره عندك, يأتوك برأسه، تبسَّم سيدنا معاوية، وقال له: غيرُ هذا أفضل، كتب: اكتب للكاتب:

أما بعد, فقد وقفتُ على كتاب ولد حواري رسول الله، ولقد ساءني ما ساءه، والدنيا كلها هيِّنة جنب رضاه، لقد نزلت له عن الأرض ومن فيها, ويأتي الجوابُ:

أما بعد, فيا أمير المؤمنين، أطال اللهُ بقاءك، ولا أعدمك الرأيَ, الذي أحلَّك من قومك هذا المحلَّ، يأتي ابنُه، ويقول له: يا بنيَّ, تريد أن نبعث له جيشا أوله عنده وآخره عندنا، يأتون برأسه، -حروب عشر سنوات، هذا الكلام الطيِّب أطفأ الفتنةَ- قال له: يا بني, من عفا ساد، ومن حلُم عظُم، ومن تجاوز استمال إليه القلوبَ )) .

مرَّ معي حديثٌ دقيق، قال عليه الصلاة و السلام: (( الإنسان إذا كظم غيظه وعفا, أورثه اللهُ أمنا وإيمانا ) )هذا الحديث دقيق جدا، لمّا يعفو الإنسان عن خصومه، ما الذي يحدث؟.

أولا: يبقى الطريقُ إلى الله سالكا، لأنه عمل عملا يرضي اللهَ، ويزداد إيمانه، ثانيا: هذا الذي عفوتَ عنه أحبَّك، وذاب في حبِّك، فأنت اطمأننت، أما لو انتقمت منه، صار جوُّك متوتِّرا، العنفُ لا يأتي إلا بالعنف، هذه قاعدة، العنف لا يلد إلا العنف، لما تنتقم سيتحرَّك المنتَقم منه, لينتقم منك ثانية، إلى سلسلة لا نهاية لها، لو يعلم الناسُ ما في العفو من راحة نفسية، ومن سعادة، ومن لَمِّ الشمل، ومن تكتُّل الناس بعضِهم بعضا, لاتّخذه سبيلا في حياته، أما الانتقام دائما: فيسبِّب العنف الذي لا يلد إلا العنف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت