مرَّةً كنتُ في تَشْيِيع جنازة، دخلنا إلى المسجد, لِنُصلِّي على الجنازة، وقام أحد العلماء يريد أن يؤبِّن المُتَوفَّى، الذي لا أنساهُ أبدًا, قال: كان أخوكم مؤذِّنًا, ترحَّموا عليه، وانتهى التَّابين, وأنا أعرف المُتوفَّى رحمه الله تعالى إنسانًا حياتهُ غنِيَّة مُتْرفةٌ، وفي بيته ما لذَّ وطاب، له دخْلٌ كبير، وجالَ في أوروبا كلَّها، مُتمتِّع بالحياة في أعلى درجة، ولكن اسْتوْقفَتْني كلمة المؤبِّن, أنَّه ما استطاع أن يقول إلا كلمتين: كان أخوكم مؤذِّنًا، ترحَّموا عليه, فقلتُ في نفسي: الإنسان عليه أن يدَعَ أعمالًا صالحةً, يتحدَّث الناس عنه خمس دقائق أقلّ شيء، عشر دقائق، فكلَّما عظم الإنسان يصبح الحديث عنه ذا شُجون، يمكن أن نتحدَّث عن الصحابة الكرام سنوات، وعن التابعين سنوات، وتؤلَّف الكتب والمجلَّدات، وتُحلَّلُ الشَّخصِيات، تُدْرس المواقف، وتوصف الملامح، فالإنسانُ العظيم هناك مَن يتحدّث عنه إلى أمدٍ طويل.
فهذا الخليفة الراشد، كتُبٌ مؤلَّفة عن حياته، وتحليلات لِشَخصِيَّاته، ووصْفٌ لبيانه، فالإنسان سيَمْضي، بقيَت بطولته أن يدعَ أثرًا في الحياة، والدليل قول الله عز وجل:
{إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ}
[سورة يس الآية: 12]
أيها الأخ الكريم، دقِّقْ في حياتك الدنيا، الحديث عن بيْتك, لا يُقال عند الموت؛ عن مساحته, وتَزْييناته، الحديث عن دَخلَك، والحديث عن ملاذَّك، وهذا كلّه لا يمكن يُقال عند الموت، لا يُقال عند الموت إلا الأعمال الطيّبة التي تركتها، الآثار الإيجابيّة التي حقَّقْتها، الخدمات الجلّة التي قدَّمتها للإنسانيَّة، وهذا ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام: (( إذا مات ابن آدم, انقطع عمله إلا من ثلاث؛ صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ) )
[أخرجه مسلم في الصحيح]