الصفحة 304 من 323

إنِّي امرؤٌ من قطنٍ من دارم ... طلبْتُ دَيني من أخي المكارم

فنَظَرَ إليّ مَولاه أبو يَحيى نظْرة طويلة، ثمَّ الْتفتَ إليه, وقال: يا أمير المؤمنين, إنَّ عندي لهذا البدويّ شهادةً عليك, كان أحد شهوده مولاه أبو يحيى، فقال: أعرفها, ثمَّ الْتفتَ إليّ وقال: اُدْنُ مِنِّي يا دُكَين، فلمّا صِرْت بين يديه مال عليّ, وقال: أتَذْكرُ ما قلتهُ لك في المدينة: من أنَّ نفسي ما نالَت شيئًا قطّ، إلا أنَّها تاقَتْ إلى ما هو أعلى منه؟ فقلتُ: نعم، يا أمير المؤمنين, فقال: وهذا أنا ذا نِلْتُ غايَةَ ما في الدنيا، وهو المُلك، فنَفْسي الآن تتُوقُ إلى غايَة ما في الآخرة، وهي الجنَّة.

-ومرَّةً قال: (( تاقَت نفسي إلى الإمارة, فلمَّا بلغْتُها, تاقَت نفسي إلى الخلافة، فلمَّا بلغتها, تاقَت نفسي إلى الجنَّة، ولئن كان الملوكُ يجعلون الملك سبيلًا لِبُلوغ عزِّ الدنيا، فلأجْعلنَّهُ سبيلًا إلى بلوغ عزّ الآخرة ) )هؤلاء حجَّة على من سِواهم، يمكن أن تكون ملكًا، ويمكنُ أن ترقى إلى الجنَّة، الجنَّة لا تغلقُ أمام أحد، ولو كان ملكًا-.

ثمَّ قال: يا دُكَين، إنّي والله ما رزاتُ - أخذْتُ - المسلمين في أموالهم درهمًا ولا دينارًا منذ وُليتُ هذا الأمر، وإنِّي لا أملكُ إلا ألف درهمٍ, فَخُذْ نصفها، واتْرُك ليَ نصْفها, فأخذْتُ المال الذي أعْطانيه، فو الله ما رأيْتُ أعظمَ منه بركةً )) .

هذه أوَّل صورة، شاعر أعْطاه يوم كان أميرًا خمس عشرة ناقة، فلمَّا صار خليفة, أعطاه خمسمئة دينار من ماله الشَّخصي، وهو يُقسمُ أنَّه ما أخذ دينارًا واحدًا من مسلمٍ من رعِيَّتِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت