فهرس الكتاب
فقلتُ: أشْهِدْ لي بذلك أيها الأمير؟ فقال: أُشْهِدُ الله تعالى على ذلك، أيْ إذا أتَيْتني, وأنا في مرتبةٍ أعلى من هذه المرتبة, لك مِنِّي البرّ والإحسان، -هذا الكلام كان لمَّا كان واليًا- فقلتُ: من خلقهِ؟ -أيْ أريد شاهدًا من خلْقه- فقال: هذين الشَّيْخَين، فأقْبلْتُ على أحدهما، وقلتُ: بأبي أنت وأمِّي, قلْ لي: ما اسْمك حتى أعْرفك؟ فقال: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطَّاب, فالْتَفَتُّ إلى الأمير، وقلتُ: لقد اسْتسْمَنْتُ الشاهد, -أي هذا الشاهد جيّد- ثمَّ نظرْتُ إلى الشيخ الآخر, وقلتُ: ومن أنت جُعِلْتُ فداك؟ فقال: أبو يحيى مولى الأمير، فقلْت: وهذا شاهدٌ من أهله، كان شاعرًا ذو دعابة.
قال: ثمَّ حيَّيْت, وانْصرفْتُ بالنُّوق إلى ديار قومي في نَجْد، قال: فرمى الله فيهنّ البرَكة, حتى اقْتَنَيْتُ من نِتاجهنّ الإبل والعبيد، -أي هذه الخمس عشرة ناقة طرحَ الله فيهنّ البرَكة- ثمَّ دارَت الأيَّام دوْرتها، فبَين أنا بِصَحراء ثلجٍ من أرض اليَمامة في نجْد، إذْ ناعٍ ينعي أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك, فقلْتُ للناعي: ومَن الخليفة الذي قام بعدَهُ؟ فقال: عمر بن عبد العزيز، فما إن سمعْتُ مقالتهُ, حتَّى شدَدْتُ رحالي نحو بلاد الشام، فلمَّا بلغْتُ دمشق, لقيتُ جريرًا منْصرفًا عند الخليفة فحيَّيْتُهُ, وقلتُ: من أين يا أبا حمزة؟ فقال: من عند خليفة يعطي الفقراء، ويمنعُ الشعراء, اِرْجِعْ من حيث أتَيْتَ, فذلك خير لك، فقلتُ: ليَ شأنٌ غير شأنِكم، أنا لي وضْع خاصّ، لي معه شاهدين وعهْد، فقال: أنت وما تريد, فانطلقتُ حتى بلغتُ دار الخليفة، فإذا هو في باحة الدار، وقد أحاط به اليتامى, والأرامل, وأصحاب الظلمات، فلم أجِد سبيلًا إليه من تزاحمهم عليه, فرفعْتُ صوتي مرتفعًا:
يا عمر الخيرات والمكارم ... وعمر الدسائع العظائم
-الدسائع جمعُ دسيعة، وهي الجفنة العظيمة، والقدر الذي يُقدَّم فيه الطعام-.
قال: