الصفحة 306 من 323

3 -ما رواه زياد بن ميسرة المخزومي:

وأما الصورة الثالثة: هذه الصورة يرويها العابد الزاهد زِياد بن ميْسَرَة المخزومي, بِالولاء، فيقول: (( أرسلني موْلاي عبد الله بن عياش من المدينة إلى دمشق للِقاء أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز في حوائج له، وكانت بيني وبين عمر صِلَةٌ قديمة, ترجعُ إلى عهْد ولايتِهِ على المدينة، فدخلْت عليه, فإذا عندهُ كاتبٌ يكتب له، فلمَّا صرْتُ في عتبة الحجرة, قلْتُ: السلام عليكم، فقال: وعليكم السلام ورحمة الله يا زِياد, ثمَّ مضَيْتُ نحْوهُ خَجِلًا، لأنّي لم أُسلِّمْ عليه بإمرة المؤمنين، فلمَّا انْتَهيْتُ إليه قلتُ: السَّلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله تعالى وبركاته، عدَّلَ, فقال: يا زِياد, إنَّني لمْ أُنْكرْ عليك السَّلام الأوّل، فما الحاجة إلى الثاني؟ -المؤمن يتعلَّق بالحقائق، وبِجَوْهر الحياة.

أيها الأخوة الكرام، المؤمن إذا أحْكم اتِّصالهُ بالله عز وجل يسْتغني عن ثناء الناس، وعن تعظيمهم، وعن تبْجيلهم، وعن توْقيرهم، لا يتعلَّق بهذا إلا من أقصى قلبه من الاتّصال بالله عز وجل، وأساسًا أكبر نقطة ضَعْف في الإنسان اسْتِجداء المديح، طبْعًا فقْرُهُ الداخلي يحملُهُ على اسْتِجداء المديح، لو أنَّه وصلَ إلى شيءٍ من الله عز وجل، إلى السكينة التي أخبر الله عنها، إلى الصَّلوات التي ذكرها الله تعالى في القرآن الكريم، قال تعالى:

{وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ}

[سورة التوبة الآية: 103]

لو أنَّ الإنسان أشْرقَت نفسهُ بِنُور الله عز وجل, لا يهتمّ بهذه الشَّكْليَّات، ولا بهذه العبارات، فهي عندهُ لا تقدِّم ولا تؤخِّر-.

فقال: يا زِياد, إنَّني لمْ أُنْكرْ عليك السَّلام الأوّل، فما الحاجة إلى الثاني؟ فكان كاتبُهُ إذْ ذاك يقرأُ عليه مظالمَ جاءتْهُ من البصرة مع البريد، فقال لي: اِجْلسْ يا زياد حتَّى نفْرغَ لك، فجلسْتُ على خشبة الباب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت