فهرس الكتاب
-بالمناسبة الإنسان العظيم طبيعي، والإنسان الصغير إذا عظُمَ فجأةً يتكلَّف, فلو جلسْت مع النبي صلى الله عليه وسلَّم، دخل عليه أحدهم, فأصابتْه رعدة, فقال: (( إنما أنا ابن امرأة, كانت تأكل القديد بمكة ) )كلَّما الْتقيْت مع العظماء رأيتهم قريبين منك، حتى إنَّه قيل: ما من أحدٍ خالَطَ النبي صلى الله عليه وسلَّم, إلا ظنَّ أنَّهُ أقربُ الناس إليه, وهذه من عظمة النبي عليه الصلاة والسلام، وقيل عنه: ما رآهُ أحدٌ بديهةً إلا هابهُ، وما خالطهُ إلا أحبَّه، لكنَّك إذا خالطتَهُ, ترى نفسكَ قريبةً منه جدًّا، وتراه قريبًا منك، فالتَّكَلُّف ليس من صفات المؤمنين، لا تتكلَّف التَّصنّع والكهنوت, هذا ليس من صفات المؤمنين، ويتناقض مع الفطرة السليمة، فأنت عظيمٌ جدًّا, إذا كنت طبيعيًّا-.
فقال لي: اِجْلسْ يا زياد حتَّى نفْرغَ لك، فجلسْتُ على خشبة الباب, والكاتب يقرأ عليه، وعمر يتنفَّس الصُّعداء من الهمّ، فلمَّا فرغَ كاتبهُ من قراءة الرِّقاع التي معه، وانطلقَ إلى شأنه، قام عمر من مجلسِهِ, ومشى إليه، حتى جلسَ بين يديّ عند الباب، ووضعَ يديْه على ركبتي، ثمَّ يقوم سيّدنا عمر بن عبد العزيز بنفسه عند هذا المولى الذي جاءهُ من المدينة، وقد أرجأهُ قليلًا, لِيَحلّ قضايا المظالم، يبدو أنَّه غفل، فقال لِزِياد: هنيئًا لك يا زياد، لقد اسْتدفاتَ بِمَدْرعتِكَ، واسْترحْتَ مِمَّا نحن فيه, الخلافة كانتْ عبئًا.
-سيّدنا عمر قال: (( لسْتُ خيرًا من أحدكم، ولكنَّني أثقلكم حِمْلًا، والله لو تعثَّرَتْ بغلةٌ في العراق, لحاسبني الله عنها، لِمَ لمْ تفْسِح لها الطريق ياعمر؟! ) ).
مرَّةً حرمَ نفسهُ أكلَ اللَّحْم مدّةً طويلة، فأصبحَ في بطنهِ صوتًا، فقال: (( قَرْقِرْ أيُّها البطْن أو لا تُقَرْقِرْ، فو الله لن تذوق اللَّحْم, حتى يشبعَ منه صِبْيَة المؤمنين ) ).