الصفحة 308 من 323

مرَّةً دخلتْ عليه زوجتهُ فاطمة، فرأتْهُ يبكي في مُصلاَّه، قالتْ له: (( ما لكَ تبكي؟ فقال: دعيني وشأني، فلمَّا ألحَّتْ عليه، قال: إنِّي وُلِّيتُ هذا الأمْر، فذكَرْتُ الفقير الجائع، والضَّعيف، وذو الحاجة، والأسير، والمظلوم، وذا العِيال, فعَلِمْتُ أنَّ الله سيُحاسبني عن هؤلاء جميعًا، وأنّ حجيجَهم دوني رسولُ الله، فلهذا أبكي، دعيني وشأني ) )-.

وكانت عليَّ مدْرعة صوف، ثمَّ طفقَ يسألني عن صُلَحاء أهل المدينة؛ رِجالهم ونسائهم واحدًا واحدًا، فما ترك منهم واحدًا إلا وسألني عنه، ثمّ سألني عن أشياء كان أمرَ بها في المدينة, حينما كان واليًا عليها، فأخبرتهُ عن كلّ ما سأل، ثمَّ تنهَّد وقال: يا زياد, ألا ترى إلى ما وقع فيه عمر؟ فقلتُ: إنِّي أرجو لك في ذلك خيرًا ‍وأجْرًا، فقال: هيهات, ثمَّ بكى, حتى رثَيْتُ له، وقلتُ: اِرْفِق بِنَفسك يا أمير المؤمنين, فإنِّي لأرجو لك خيرًا كثيرًا, فقال: ما أبْعَدَ ما ترْجوهُ يا زياد!.

قال: لقد أصْبح في وُسعي أن أشْتِمَ ولا أُشْتَم، وأن أضْربَ ولا أُضرَب، وأن أوذِيَ الناس, ولا يؤذيني أحد، -مَن بإمكان مجابهة الملك؟ ومن بإمكانه أن يضربهُ؟ منْصب الملك أعلى منصب- ثمَّ بكى كرَّةً أخرى حتى جعلتُ أرثي له، ولقد أقمْت عندهُ أيامًا ثلاثة, حتى قضى ما أرسلني به مولاي، فلمَّا هممْتُ بالانصراف, زوَّدني بِكتابٍ إلى سيّدي يسألهُ فيه: أن يبيعني منه، ثمَّ أخرج من تحت فراشه عشرين دينارًا، وقال: اسْتَعِن بهذا المال على دنياك، ولو كان لك حقّ في الفيء لأعْطَيناك، فأبيْتُ أن آخذ المال منه، فقال: خُذْهُ فما هو من مال المسلمين, إنَّما هو من نفقتي، فامْتنعْتُ عن أخذه، ولكنَّه ما زال بي حتى أخذتهُ منه, ومضَيْتُ، فلمَّا بلغْت المدينة, دفعْت بكتاب أمير المؤمنين إلى مولاي، ففضَّه، وقال: إنَّما سألني أن أبيعك له لِيُعْتِقَكَ, فلِمَ لا أكون أنا المُعْتِقُ لك؟ ثمّ أعْتقَهُ )) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت