فهرس الكتاب
الشيء الآخر: أنّ النَّسَب كما قلتُ من قبل: تاجٌ يُتَوّج به الإيمان، فإن لمْ يكن هناك إيمان, فلا معنى للنَّسَب إطلاقًا، وأكبر دليل: أنَّ أبا لهب عمّ النبي, كان مصيرهُ كما تعلمون، لمْ ينْفعهُ نسبهُ، وقول النبي عليه الصلاة والسلام: (( لا يأتيني الناس بأعمالك, وتأتوني بأنسابكم ) ).
ولكن هناك سؤال: القاعدة الأصوليّة: لا مؤاثرةَ في الخير، والخير كلّه في المؤاثرة، القصَّة طريفة وتُرْوى، ولكنّك لو أردت أن تقيسها بمِقياس الأصول، مثلٌ أوْضَحُ:
لو أنَّ أخوَيْن لهما أمّ، فالأوّل لمْ يُقدِّم لها الخدَمات, لِيُفسِحَ المجال لأخيه, أن يسْبقهُ إلى هذا العمل، فَيُؤثرهُ في هذا العمل, هل هذا مقبول في الشرع؟ أبدًا, لا مؤاثرة في الخير، لا أوثرُ أحدًا على طاعة الله، لا أوثرُ أحدًا على فضل الله، لا أوثرُ أحدًا بخدمة الله، ما دام الأمر متعلّقًا بِمَرضات الله تعالى, فأنا أسبق.
فالقصّة طريفةٌ ونرويها، ولكن الإنسان ينبغي أن يعلم أنَّه لا مؤاثرة في الخير، لو قبلنا هذه القاعدة, لا أحدَ يفعل الخير أبدًا، تسأله لِمَ لمْ تفعل الخير؟ فيقول: تركْتهُ لِفُلان كي يفعله، ويكون أفضل؛ آثرْتهُ على نفسي, هذا الكلام مرفوض، ومن لهُ أمّ وأب، لِيُبادِر بِخِدْمتِهِما وبِرِّهما، ولْيَسْبِقْ أخوتَهُ جميعًا، ولا يُبالي أن يكون هو الأسبق من أخوته في هذا العمل، لا مؤاثرة في الخير، والخير كلّه في المؤاثرة، أنا أُوثر أخي في كلّ شيء، أعطيه البيت الأفضل، والمركبة الأفضل، والحانوت الأفضل، وأُعطيه حِصَّتي، فالخير في المؤاثرة، وقد قال الله عز وجل:
وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
[سورة الحشر الآية:9]