فهرس الكتاب
أيها الأخوة، إذا وقَعَت فتنة, هنيئًا لِمَن كان بعيدًا عنها، لأنَّ إذا كانت هناك فتنة بين المؤمنين, فهذا إشْكال كبير، وإيَّاك أن تكون طرفًا فيها، والإنسان السعيد هو من يبتعِد، لأنَّ هذا شيءٌ كبير عند الله عز وجل، أن تكون طرفًا في تأجيجها، إذا كان الأمر بين المسلمين انْسَحِب، وصحابة كثر, لمَّا رأوا الفتنة بين المسلمين, انْسحبوا وآثروا السَّلامة.
* من الطرائف:
ومن طريف ما يُرْوى: أنَّ ملِكَ الروم كتب إلى معاوية بن أبي سفيان يقول: (( إنّ الملوك عندنا تُراسِلُ الملوك، ويُطْرفُ بعضهم بعضًا بِغَرائبِ ما عندهم، ويُنافسُ بعضهم بعضًا بِعَجائب ما في ممالكِهم، فهل تأذن لي بأن يكون بيني وبينك بما يكون بينهم؟ -ملك الروم يستأذن معاوية بن أبي سفيان خليفة المسلمين, أن يكون بين الملكين مراسلات, وإطراف ومساجلات, ومسابقات, وما شاكل ذلك- فأجاب معاوية بالإيجاب، وأذِنَ له.
فوجَّهَ إليه ملك الروم رجلين من عجائب الرِّجال؛ أحدهما طويل مفرِط في الطول، جسيم موغِل في الجسامة، حتى لكأنَّه دوْحةٌ باسقة في غابة، أو بناء مبني, -جسمه غير معقول, كأن يكون مترين وعشرين سنتيمتر- والثاني قويّ غاية القوَّة، صُلْب متين, كأنَّه وحشٌ مفترس، وبعثَ إليه معهما رسالة يقول فيها: أفي مملكتك من يُساوي هذين الرجلين طولًا وقوَّةً؟ فقال معاوية لِعَمْرو بن العاص: أما الطويل فقد وجدْت من يُكافئُهُ ويزيد عليه، وهو قيس بن سعْد بن عبادة, وأما القويّ فقد احْتجْتُ إلى رأيِكَ فيه, فقال عمرو: هناك رجلان, غير أنَّ كليهما عنك بعيد هما: محمَّد بن الحنفيَّة، وعبد الله بن الزبير، فقال معاوية: إنَّ محمّد بن الحنفيّة ليس عنَّا بِبَعيد, فقال عمرو: ولكن أتظنّ أنَّهُ يرضى على جلالة قدْره، وسموّ منزلته, أن يُقاوِي رجلًا من الروم على مرأى من الناس؟ فقال: إنَّه يفعلُ ذلك، وأكثر من ذلك, إذا وجدَ في ذلك عزًّا للإسلام.