الصفحة 46 من 323

والإنسان من علامات نجاحهِ تواضُعه، ومن علامات نجاحه: استشارتُه وقبوله للنَّقْد، فالذي يقبل النَّقْد قد ينْمو، والذي يرفض النَّقد يسقط، والإنسان حينما رفض النَّقد ينتهي، لأنَّ الأشخاص دائمًا ينظرون من زوايا متعدِّدة، وليس عليهم ضغوط كالتي على من ينتقدونه، فالإنسان إذا أصغى إلى مَن ينتقدُهُ باحْتِرام وأدبٍ، والنبي عليه الصلاة والسلام فعل هذا، والصحابي الجليل الحباب بن المنذر لمَّا رأى الموقع غير مناسب في معركة بدر، جاء إلى النبي على اسْتِحياء، وتكلَّمَ كلامًا يقطر رِقَّةً وأدبًا وحياءً وإخلاصًا، قال له:

(( يا رسول الله، هذا الموقع وحيٌ أوحاه الله إليك أم هو الرأي والمشورة؟ قال: بل هو الرأي والمشورة، فقال له: يا رسول الله, هذا ليس بِمَوقعٍ ) )فالنبي بِبَساطة اسْتجاب لهذه النصيحة، وأمر بِنَقل الجيش إلى الموضع الذي اقترحه الحباب بن المنذر، فكان لنا قدْوةً صلى الله عليه وسلَّم في سماع النَّصيحة, وقَبولها مع التواضع.

لقد جمع عروة العلمَ إلى العمل، فقد كان قوَّامًا في الهواجر، في أيام الصيف، -نحن نقول للواحد: صُم بالشِّتاء، فالنهار قصير، والجو بارد، ومن دون عطش- أمّا عروَة فكان صوَّامًا في الهواجر، قوَّامًا في العتَمَات، رطْب اللِّسان بذِكْر الله تعالى، وكان إلى ذلك خَدينًا, أيْ مُصاحبًا لكتاب الله عز وجل، عاكفًا على تلاوته، فكان يقرأ ربْع القرآن كلّ نهارٍ، نظرًا في المصحف، ثمّ يقوم به الليل عن ظهر قلب، ولم يُعْرف أنَّه ترَكَ ذلك منذ صدْر شبابه إلى يوم وفاته، غير مرَّةٍ واحدة لِخَطبٍ نزل به، وسيأتي هذا النبأ بعد قليل، وكان عروة يجد في صلاته راحة نفسه، وقرَّة عينِهِ، وجنَّته في الأرض، -وقال أحد العارفين: في الدنيا جنَّة من لم يدخلها لم يدخل جنة الله، وقال: ماذا يفعل أعدائي بي؟ بستاني في صدري، إن أبْعدوني فإبْعادي سياحة، وإن حبسوني فحَبْسي خلْوَة، وإن قتلوني فقَتْلي شهادة-.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت