الصفحة 55 من 323

وكان يقول: (( يا بنيّ، إذا رأيْتم من رجلٍ فعلةَ خير رائعة فأمِّلوا به خيرًا، ولو كان بنَظر الناس رجل سوء -وهذه قاعدة: إن رأيْت إنسانًا أخلاقيًّا وكريمًا، وله حياء، ويحبّ الخير, فتأمَّل فيه الخير، ولو كان بِنَظر الناس قليل الدِّين- فإنَّ لها عندهُ أخوات، وإن رأيتم من رجلٍ فِعْلةَ شرّ فضيعةً فاحْذروه، وإن كان في نظر الناس رجلَ خير، فإنّ لها عنده أخوات أيضًا, واعلموا أنَّ الحسنة تدلّ على أخواتها، وأنَّ السيِّئة تدلّ على أخواتها ) ).

وكان يوصي أولاده بلِين الجانب، وطيب الكلام، وبِشْر الوجه، ويقول: (( يا بنيّ, مكتوب في الحكمة: لِتَكُنْ كلمتُك طيِّبةً، ووجْهكَ طليقًا, تكنْ أحبَّ للناس مِمَّن يبذل لهم العطاء، وكان إذا رأى الناس يجْنحون إلى الطَّرَف، ويسْتمرئون النعيم، يُذكِّرهم بما كان عليه رسول الله من شظف العيش، وخشونة الحياة ) ).

وعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّهَا قَالَتْ لِعُرْوَةَ ابْنَ أُخْتِي: (( إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلَالِ ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ, وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَارٌ, فَقُلْتُ: مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ؟ قَالَتْ: الْأَسْوَدَانِ؛ التَّمْرُ وَالْمَاءُ, إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِيرَانٌ مِنْ الْأَنْصَارِ, كَانَ لَهُمْ مَنَائِحُ, وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَبْيَاتِهِمْ, فَيَسْقِينَاهُ ) )

[أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما]

عاشَ عروة واحدًا وسبعين عامًا, مترعةً بالخير، حافلةً بالبِرّ، مُكَلَّلَةً بالتُّقى، فلمَّا جاءه الأجَل المحتوم, أدركهُ وهو صائم، وقد ألحَّ عليه قومه أن يُفْطرَ فأبى، لأنَّه كان يرجو أن يكون فطْرهُ على شرْبة من نهر الكوثر، في قوارير من فضَّة، بأيْدي حور العين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت