الآن حُمِل عروة إلى المدينة، وأُدخل على أهله، ماذا قال؟ بادرَهم قائلًا: (( لا يهُولنَّكم ما ترَوْن, لقد وهبني الله عز وجل أربعةً من البنين، ثمَّ أخذ منهم واحدًا، وأبْقى ليَ ثلاثًة، فله الحمد والشكر، وأعطاني أربعة أطراف ثمَّ أخذ منها واحدًا، وأبقى لي منها ثلاثة، وَايْمُ الله لئن أخذ الله لي قليلًا, فقدْ أبقى لي كثيرًا، ولئن ابتلاني مرَّةً, فلطالما عافاني مرَّات -هل تسمعون ما قال؟ هكذا المؤمن-.
ولمَّا عرف أهل المدينة بِوُصول إمامهم وعالمهم عروة بن الزبير، تسايلوا على بيته لِيُواسوه ويُعَزُّوه، فكان مِن أحسنِ ما عُزِّيَ به كلمةٌ قالها إبراهيم بن محمّد بن طلحة، قال له: (( أبْشِرْ يا أبا عبد الله, فقد سبقَكَ عضْوٌ من أعضائك، وولدٌ من أبنائك إلى الجنَّة، والكلّ يتْبَعُ البعض إن شاء الله تعالى، ولقد أبقى الله لنا مِنك ما نحن فقراء إليه، أبقى لنا منك علمك وفقْهك ورأيَك، أما الطرف الذي سبقك إلى الجنَّة فاحْتسِبْهُ عند الله، نفعنا الله وإيَّانا به، واللهُ ولِيُّ ثوابك، والضَّمِين بِحُسْن حِسابك ) ).
* من نصائح عروة لأبنائه:
ظلّ عروة بن الزبير للمسلمين منارَ هدًى، ودليلَ فلاح، وداعِيَةَ خير طوال حياته، واهْتمَّ بِتَربيَة أولاده خاصَّة، وسائر أولاد المسلمين، فلم يترك فرْصةً لِتَهذيبهم.
قال: (( يا بنيّ, تعلَّموا العلم، وابْذُلوا له حقَّه، فإنّكم إن تكونوا صِغارَ قومٍ, فعسى أن يجعلكم العلم كبراء القوم، واسَوْأتاه! هل في الدنيا شيءٌ أقْبحُ من شيءٍ جاهل؟ العالم شيخٌ, ولو كان حدثًا، والجاهل حدث ولو كان شيخًا ) ).
وكان يقول: (( يا بنيّ, لا يَهْدِينَّ أحدكم إلى ربِّه ما يسْتحيي أن يُهْدِيَهُ إلى عزيز قومه، فإنَّ الله تعالى أعزّ الأعزّاء، وأكرم الكرام، وأحقّ من يُختار له ) ).