* ما هو الهم الذي ألم به الوليد بن عبد الملك, وكيف تخلص منه؟
أيها الأخوة, وقد شقَّ على الوليد بن عبد الملك ما نزل بِضَيفه الكبير من النوازل، فقد احْتسَب ابنه، وفقَدَ ساقهُ في أيَّام معدودات، فجعل يحتال لِتَعْزيَتِهِ وتصبيره على ما أصابه، وصادف أن نزلَ بِدَار الخلافة جماعةٌ من بني عبسٍ فيهم رجلٌ ضرير، فسأله الوليد عن سبب كفّ بصره، قال:
(( يا أمير المؤمنين, كان عمر إذا أصابتْهُ مصيبة, قال: الحمد لله ثلاثًا؛ الحمد لله إذْ لم تكن في ديني، والحمد لله إذْ لمْ تكن أكبر منها، قال: يا أمير المؤمنين, لم يكن في بني عبْس رجلٌ أوْفَرَ مِنِّي مالًا، ولا أكثر أهلًا وولدًا -واللهُ إذا أعطى أدْهش، وإذا أخذ أدْهش- نزلْتُ مع مالي وعِيالي في بطْن واد من منازل قومي، فطرقنا سيْلٌ لم نرَ مثلهُ قطّ، فذهبَ السَّيل بما كان لي من مالٍ وأهل وولدٍ، ولم يترك لي غير بعيرٍ واحد, وطفلٍ صغير حديث الولادة, وكان البعير صعبًا فندَّ مِنِّي، فتركْتُ الصَّبيّ على الأرض، ولَحِقْت بالبعير، فلم أُجاوِز مكاني قليلًا حتى سمِعْت صَيْحة الطِّفل, فالْتَفَتُّ فإذا رأسهُ في فمِ ذئْبٍ يأكلهُ، فبادرتُ إليه غير أنَّني لم أستطع إنقاذهُ، إذْ كان قد أتى عليه، ولحِقْت بالبعير فلمَّا دَنَوْت منه, رماني بِرِجلهِ على وجهي رمْيةً حطَّمَتْ جبيني، وذهبتْ بِبَصري، وهكذا وجدْت نفسي في ليلة واحدة من غير أهل، ولا ولد، ولا مالٍ، ولا بصر.
-والإنسان إذا أصابتْهُ مصيبة, يتصوَّرِ الأصعب منها فيرْتاح- فقال الوليد لِحاجِبِه: انْطلق بهذا الرجل إلى ضَيْفنا عروة بن الزبير، ولْيقصَّ عليه قصَّته, لِيَعلمَ أنَّ في الناس من هو أعظمُ منه بلاءً )) والقاعدة النبويَّة: اُنْظر في الدنيا لِمَن هو أدنى منك، وانْظر في الآخرة لمن هو أرقى منك.