الصفحة 52 من 323

فجاء الطبيب بالمَبَاضِع لِشَقّ اللَّحم، والمناشير لِنَشر العظم، قال الطبيب لِعُروة: أرى أن نسْقيك جرعةً من مُسْكر, لكي لا تشعر بالآلام، فقال: هيهات ‍! لا أستعين بِحَرام على ما أرجوهُ مِن عافِيَةٍ، ما عند الله لا يُنال بِمَعصيَة الله، -هناك أدوِيَة مخالفة للشَّرع- فقال له: إذًا نسقيك مخدِّرًا، فقال: لا أحبّ أن أُسلبَ عضْوًا من أعضائي دون أن أشْعرَ بِألمِهِ، واحْتسب بذلك، فلمَّا همَّ الجراح بِقَطع الساق تقدَّم نحو عروة طائفة من الرجال، فقال: مَن هؤلاء؟ فقال: جيءَ بهم لِيُمسِكوك، فربَّما اشْتدّ عليك الألم، فجذبْت قدمَكَ جذْبةً أضرَّتْ بك، قال: رُدُّوهم لا حاجة لي بهم، وإنِّي لأرجو أن أكْفيَكم ذلك بالذِّكْر والتَّسْبيح، ثمَّ أقبلَ عليه الطبيب، وقطع اللَّحم بالمِبضَع، ولمَّا بلغَ العظم وضع عليه المنشار، وطفِقَ ينشرهُ به, وعروَة يقول: لا إله إلا الله، والله أكبر، وما فتىء الجرَّاح ينشر, وعروة يكبّر, ويُهلِّل, حتى بُتِرَتْ الساق بتْرًا، ثمّ أُغْليَت الزَّيتُ في مغارف الحديد، وغُمِسَت فيه ساق عروة لإيقاف تدفّق الدِّماء، وحسْم الجِراح، وأُغْمِيَ عليه إغماءةً طويلة, حالَت دون أن يقرأ حصَّته في كتاب الله، وكان هذا هو اليوم الوحيد الذي لم يقرأ فيه القرآن, وكانت المرَّة الوحيدة التي فاتهُ فيها ذلك الخير.

ولمَّا صحا عروة دعا بقَدَمِهِ المبتورة فناولوه إيَّاها، فجعلَ يُقبِّلُها بيَدِهِ, ويقول: (( أما والذي حملني عليك يا قدمي في عتمات الليل إلى المساجد, إنَّه ليعْلمُ أنَّني ما مشْيتُ إلى حرامٍ قطّ، ثمَّ تمثَّل بأبيات لِمَعن بن أوْس, قال:

لعَمْركُ ما أهويت كفِّي لريبةٍ ... و ما حملتني نحو فاحشةٍ رجلي

ولا قادني سمعني ولا بصري لها ... ولا دلّني رأيي عليها و لا عقلي

وأعلم أنِّي لمْ تُصِبني مصيبة ... من الدَّهر إلا قد أصابتْ فتًى قبلي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت