وقد يكون هذا أمنيةَ كل إنسان- وعلى كلٍّ؛ كان كلٌّ منهما يثني على صاحبه, ويقول: إنه أولى بهذا المنصب منه، وذكر من فضله وعلمه وفقهه ما شاء اللهُ أن يذكر، فقال عديُّ: لن تخرجا من مجلسِي هذا, حتى تحسما هذا الأمرَ، فلا بد من أُولِّيَ أحدَكما، فقال له إياسُ: أيها الأمير, سَل عني وعن القاسم فَقِيهَي العراق الحسنَ البصري ومحمد بن سيرين، فهما أقدرُ الناس على التمييز بيننا، كان القاسمُ يزورهما ويزورانه، وإياسٌ لا تربطه بهما رابطةٌ، فَعَلِمَ القاسمُ أن إياسًا أراد أن يورِّطه في هذا المنصب، قال: أيها الأمير, لا تسل أحدا عني ولا عنه، أيها الأمير, فو اللهِ الذي لا إله إلا هو إنَّ إياسًا أفقه مني في دين الله، وأعلم بالقضاء، فإن كنتُ كاذبا في قسمي, فما يحلُّ لك أن تولِّيني القضاءَ، وأنا أقترف الكذبَ، وإن كنتُ صادقا في قسمي, فلا يجوز لك أن تعدل عن الفاضل إلى المفضول، -هذا كلام ليس له جواب-، فالتفت إياسٌ إلى الأمير، وقال: أيها الأمير, إنك جئتَ برجل, ودعوتَه إلى القضاء, فأوقفتَه على شفير جهنم, -ولقد صحَّ عَنْ بُرَيْدَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ: (( الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ قَاضِيَانِ فِي النَّارِ, وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ, رَجُلٌ قَضَى بِغَيْرِ الْحَقِّ فَعَلِمَ ذَاكَ فَذَاكَ فِي النَّارِ, وَقَاضٍ لَا يَعْلَمُ فَأَهْلَكَ حُقُوقَ النَّاسِ فَهُوَ فِي النَّارِ, وَقَاضٍ قَضَى بِالْحَقِّ فَذَلِكَ فِي الْجَنَّةِ ) ).
[أخرجه الترمذي في سننه]
قال: فنجَّا نفسه منها بيمين كاذبة, لا يلبث أن يستغفر اللهَ منها، وينجو بنفسه مما يخاف، فقال له عديُّ: إنما يفهم مثلَ فهمك هذا لجديرٌ بالقضاء، حريٌّ به، ثم ولاَّه قضاءَ البصرة )) انظُروا إلى هذا التعفُّف عن ذاك المنصب.
هذا الذي اختاره الخليفةُ الزاهد عمر بن عبد العزيز قاضيًا للبصرة, من هو؟ هذا الإنسانُ ضُرِب لذكائه المثل، فكان ذكيًا فطِنا, ذا بديهة حاضرة.