فهرس الكتاب
تقدَّم الغلامُ سنةً بعد سنة، وتقدَّمت مع هذه السنين أخبارُ ذكائه أينما حلَّ، فدخل دمشق وهو لا يزال غلاما، فاختلف مع شيخ من أهل الشام في حقٍّ من الحقوق، ولما يئس من إقناعه بالحجَّة، دعاه إلى القضاء، فلما صار بين يدي القاضي احتدَّ إياسٌ، ورفع صوته على خصمه، فقال له القاضي: (( اخفِض صوتك يا غلام، فإن خصمك شيخ كبير السن والقدر، فقال إياس: ولكن الحقَّ أكبر منه، فغضب القاضي، وقال: اسكُت، فقال الفتى: ومَن ينطق بحجتي إذا سكتُّ، فازداد القاضي غضبا، وقال: ما أراك تقول منذ دخلت مجلس القضاء إلا باطلا، فقال إياس: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قال له: أحقٌّ هذا أم باطل؟ فهدأ القاضي, وقال: حقٌّ و ربِّ الكعبة ) )أحيانا الإنسان على صغر سنه, يُؤتى الحجة البالغة في وقتها، ولا تُقدَّر بثمن.
3 -موقفه مع عبد الملك بن مروان:
أكبَّ هذا الفتى على العلم، ونهل منه ما شاء اللهُ أن ينهل، حتى بلغ منه مبلغا جعل الشيوخَ يخضعون له، ويأتمُّون به، ويتتلمذون على يديه على الرغم من صغر سنه، والعالم شيخ ولو كان حدَثًا، والجاهل حدثٌ ولو كان شيخا.
ذات مرة زار عبدُ الملك بن مروان البصرة قبل أنْ يَليَ الخلافة، فرأى إياسا وكان يومئذٍ فتًى يافعا، لم ينبت شاربُه بعد، ورأى خلفه أربعةً من القراء من ذوي اللحى بطيالستهم الخضر، وهو يتقدَّمهم، فقال عبد الملك: (( أُفٍّ لأصحاب هذه اللحى، أمَا فيهم شيخٌ يتقدَّمهم، فقدَّموا هذا الغلام، ثم التفت إلى إياس، وقال: يا غلام كم سنُّك؟ -أي ازدراءً له- فقال: أيها الأمير, سني أطال بقاءَ الأمير كسنِّ أسامة بن زيد حين ولاَّه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم جيشا فيهم أبو بكر وعمر، فقال له عبد الملك: تقدَّم يا فتى تقدَّم, بارك الله فيك ) ).
4 -موقفه مع الصحابي الجليل أنس بن مالك الأنصاري: