الصفحة 85 من 323

ولو أُتيح لبلد ما أن يجعل النخبةَ العالية جدًّا دعاةً إلى الله عزوجل، لأن هذا الداعي يبني النفوسَ، فالمفروض من هؤلاء الذين يصعدون المنابرَ، والذين يتصدَّون لخدمة الخلق وتوجيههم، ولبناء نفوسهم، المفروض أن يكونوا على مستوى رفيع جدًّا من الفطانة والذكاء، والحقيقة أن الذكاء قدرة عالية جدًّا، والدليل أن صفة من صفات الأنبياء المشتركة هي الفطانة، ولو تعاملتَ مع أيِّ نبيٍّ فضلا عن أخلاقه وقيمه، والوحيِ الذي يأتيه، وعن مستواه الرفيع، وعن خلقه، فضلا عن كل ذلك, فهو في درجة من الذكاء تفوق حدِّ الخيال، هذه قدرات أودعها اللهُ فيهم، لتعينهم على أداء رسالتهم، فلا ينبغي لكلية من كليات الجامعة أن تستأثر بالعباقرة، هكذا الأكمل.

1 -موقفه مع هذا الذمي:

ظهرت على هذا الغلام علائمُ النجابة وأمارات الذكاء منذ نعومة أظفاره، وجعل الناسُ يتناقلون أخبارَه ونوادرَه، وهو ما زال صبيًّا صغيرا، رُوِي عنه أنه كان يتعلَّم الحساب في كتَّاب لرجل من أهل الذِّمة، فاجتمع عند المعلِّم أصحابٌ له، وجعلوا يتكلَّمون في أمور الدين، وهو ينصت إليهم من حيث لا يدرون، فقال المعلِّم لأصحابه: (( ألا تعجبون للمسلمين فهم يزعمون أنهم يأكلون في الجنة ولا يتغوَّطون! فالتفت إياسٌ إليه، وقال:

أتأذن لي يا معلِّم بالكلام فيما تخوضون فيه؟ قال: نعم تكلَّم، قال الفتى: أكلُّ ما يُؤكل في الدنيا يخرج غائطا؟ فقال المعلِّم: لا، قال: فأين يذهب الذي لا يخرج؟ قال المعلِّم: يذهب في غذاء الجسم, قال الفتى: فما وجهُ الاستنكار منكم, إذا كان يذهب بعضُ ما نأكله في الدنيا غذاءً, أن يذهب كلُّه في الجنة في الغذاء؟ )) طبعا قسمٌ من الغذاء يسهم في بناء الخلايا، وقسم يخرج، وقسم يبقى، كما قال النبيُّ الكريم: إن نوحا لم يقم عن خلاء قط إلا قال: الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى في منفعته، وأخرج عني أذاه.

2 -موقفه مع قاضي دمشق:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت