الصفحة 9 من 323

وصَلَ هذا التابعيّ الجليل إلى ما وصَلَ إليه مِن عُلُوّ في مقامه، ومن رُتبةٍ عاليَةٍ في علْمِه، بِخَصْلَتَيْن اثْنَتَيْن؛ الأولى أنَّهُ أحْكَمَ سلْطانهُ على نفْسِهِ، فلَمْ يدَعْ لها سبيلًا في أنْ ترْتَعَ فيما لا نفْعَ له، وأنا أعْتقدُ أنَّ أخواننا الكرام، ورُوَّاد هذا المسجد، وطُلاَّب العلم الشريف، يسْتحيلُ أن يُفكِّر الواحد بِعَمَلٍ فيه معْصِيَة، وهذا حُسْن ظنِّي بكم، ولكن بَقِيَ كيف تتفاوَتون الآن؟ في ألاَّ يدعَ أحدُكم وقْتًا يمْضي بلا فائدة، فَنَحْن نتفاوَت في الاستفادة من كلّ دقيقةٍ من حياتنا، أحيانًا سهْرة لا طائِلَ منها، وجلْسة غير مُجْدِيَة، حديث فارغ، وموضوع سخيف، إنَّ الله يُحِبّ مَعالِيَ الأُمور، ويكْرهُ سَفْسافَها ودَنِيَّها، طبْعًا جميعُ المؤمنين في الأعمّ الأغلب لا يعْصون الله عز وجل، بلغُوا مرْتبةً أعلى من أنْ يعْصُوا ربَّهم، تجاوَزُوا هذه المرحلة، فكيف يتفاوتون الآن؟ وكيف يتمايَزون؟ وكيف يتسابقون؟ في اسْتغلال أوقات الفراغ؛ طلبُ علْمٍ، وقراءة القرآن، ودعوةٌ إلى الله تعالى، أمْرٌ بالمعروف، ونهْيٌ عن المنكر، إصْلاحُ ذات البيْن.

الخصْلة الثانِيَة؛ أنَّهُ أحْكمَ سُلطانهُ على وقْتِهِ، فلمْ يهْدرهُ في فضول الكلام والعمل, فلمْ يسْمح لِنَفْسِهِ أن يُمضِيَ وقتًا في ما لا طائِلَ منه.

حدّثَ محمَّدُ بنُ سُوقَة جماعةً من زُوَّارِهِ، قال: (( ألا سْمِعُكم حديثًا لعلَّهُ ينفعكم كما نفعَني؟ فقالوا: بلى‍، قال: نصَحَني عطاء بن أبي رباح ذاتَ يومٍ، وقال: يا ابْنَ أخي، إنَّ الذين من قبلنا كانوا يكرهون فُضول الكلام، قلْتُ: وما فُضول الكلام عندهم؟ قال: كانوا يَعُدُّون كلّ كلامٍ فُضولًا ما عدا كتاب الله عز وجل أن يُقرأ، وأن يُفْهم، قال تعالى:

{وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ}

[سورة المؤمنون الآية: 3]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت