1 -تؤكد السورة على بعثة الرسول - صلى الله عليه وسلم - والغرض من الرسالة في خمس آيات، فتبدأ بقسم من الله سبحانه بالقرآن الحكيم وقوة برهانه - إذ كتب بنفس حروف الهجاء التي بين يدي من أرسل إليهم، واستحالة أن يأتوا بآية من مثله رغم تمكنهم من اللغة - يقسم بالقرآن أنه - صلى الله عليه وسلم - من المرسلين، على الصراط المستقيم الذي أشار إليه في فاتحة الكتاب، وأن هذا القرآن الحكيم تنزيل من الله العزيز الرحيم وليس من عند محمد، كما يشكك الكفار والمشركون، وأن آية كونه من عند الله، - كما يقول الشيخ سيد قطب في الظلال - أنه مصوغ من جنس هذه الأحرف الميسرة لهم؛ ولكن نسقه التفكيري والتعبيري فوق ما يملكون صياغته من هذه الحروف. ويصف القرآن وهو يقسم به بأنه: {الْقُرْآن الْحَكِيم} ، والحكمة صفة العاقل. والتعبير على هذا النحو يخلع على القرآن صفة الحياة والقصد والإرادة. وهي من مقتضيات أن يكون حكيمًا.
2 -والحكمة من هذا التنزيل هي الإنذار والتبليغ: إنذار الكفار المصرّين على تكذيب الرسول، وإنكار البعث في خمس آيات تالية. وهذا القرآن منذرٌ لهؤلاء الغافلين، لأنه لم يصلهم من قبل، ولم ينذر آبائهم به، ولقد اختار الله سبحانه هذا الكتاب المنذر ليكون معجزة رسوله الكريم ليحرك عقولهم، ويزيح عنها الأوهام، على شرط أن يتحركوا ويعوا - كما يقول شيخنا الفقيه"محمد الغزالي"-. هؤلاء المشكّكون في بعثة الرسول والمكذبون للبعث سجناء وراء جدران لا يرون فيها شيئا {إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ} [يس: 8] و {الْمُقْمَحُون} رؤوسهم معوجة من شدة القيد، فلا يحسنون الرؤية {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} [يس: 9] ولا تجدي معهم النذر. والتقليد الأعمى يخلق أجيالا من هذا النوع المتحجر لا يصلح لشيء!!.