فهرس الكتاب
عناية القاضي وكفاية الراضي، ج 1، ص: 20
مقصود صلّ عليه صلاة توازي غناءه وتجازي عناءه، وعلى من أعانه وقرّر تبيانه تقريرا، بالغاية معناها اللغوي وهو المنتهى، وهذا هو الظاهر، أو هو من العلة الغائية، ومعنى كونه العلة الغائية أنّ ذاته كافية في وجود ما يوجد، ويصدر عنه، فهو بذاته علة فاعلية من حيث التأثير، وعلة غائية من حيث كونه المقتضي لفاعليته على نحو ما حقق في كون صفاته تعالى عين ذاته، كما قاله الدواني في «شرح هياكل النور» فتأمّل في الوجهين، واختر لنفسك ما يحلو، ويحتمل أن يكون المعنى أنه أسنى المقاصد وأعلاها فإن جميع الموجودات وسيلة لمعرفته التي هي نهاية المآرب، وقبلة وجوه المطالب.
وإنما أنت مغناطيس أنفسنا ... فحيثما كنت دارت نحوك الصور
وإطلاق الغاية وقع في كلام الحكماء كالمبدإ، ولما كان غاية الغايات دعا بعد التوجه إليه للواسطة بيننا وبينه، فقال: صلى عليه أي على عبدك ونبيك السابق ذكره. قوله: (توازي غناءه الخ) سيأتي معنى الصلاة، وتوازى بمعنى تقابل، وتساوى وماضيه آزى، وتبدل همزته واوا في المضارع فيقال: يوازي ولا يبدل في الماضي، فيقال: وازى، وهي مولدة عند بعض أهل اللغة، وقال التبريزي: يجوز حملا على المضارع وتجازى تكون جزاء وعوضا، والغناء بفتح الغين المعجمة والمد النفع، وقيل: معناه اقامته للدين لقوله في القاموس: ما فيه غناء ذاك أي إقامته، ولا يخفى ما فيه من الركاكة، والعناء بالمهملة التعب، ونفعه عليه الصلاة والسلام في الدارين أجلى من البيان، وتعبه في تبليغ الرسالة، وإعلاء كلمة اللّه على ما فصل في السير مما لا تفي به طاقة البشر، والمعنى صلّ عليه صلاة لا تحصى ولا تعدّ، كما أنّ منافعه وما تحمله من أعباء الرسالة كذلك، والغناء بالمعجمة في الأوّل، وبالمهملة في الثاني، وأجاز بعضهم عكسه، وجزالة المعنى تأباه، وفي قوله توازى وتجازى جناس مضارع، وفي قوله غناءه وعناءه جناس مصحف، وهذا مأخوذ مما روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما موقوفا من أنّ من قال:
جزى اللّه عنا نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم ما هو أهله، أتعب سبعين كاتبا ألف صباح. قوله: (وعلى من أعانه الخ) الإعانة المساعدة قولا وفعلا، والمراد بهم الصحابة رضي اللّه عنهم، وبما يعده من خلفهم من التابعين وعلماء الدين والتقرير والتقوية والتثبت، وتبيانه بكسر التاء المثناة الفوقية مصدر بمعنى البيان، وفي وزن تفعال بالكسر كلام سيأتي في محله، وفي نسخة بنيانه بضم الباء الموحدة مصدر بناه يبنيه، وهو استعارة لما أتى به من الشرع وأحكامه كما في الحديث «بني الإسلام على خمس» «1» والتقرير على النسخة الأولى من قرّر المسألة حققها وبينها فجعلها قارّة في الأذهان أو في نفسها، وعلى الثانية من القرار والبقاء ترشيحا لاستعارة البناء، لأنه من شأنه
(1) أخرجه البخاري 8 ومسلم 16 والترمذي 2609 والنسائي 8/ 107 وأحمد 2/ 93 و 143 وابن حبان 158 والبيهقي 1/ 358 من حديث ابن عمر.