عناية القاضي وكفاية الراضي، ج 1، ص: 238
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الم وسائر الألفاظ التي يتهجى بها أسماء مسمياتها الحروف التي ركبت منها وادّعى ابن الجوزي أنه موضوع، وردّه ابن حجر رحمه اللّه بأنّ البيهقيّ رواه بسند صحيح موقوف عن عليّ رضي اللّه عنه، وقد صح إطلاق سورة البقرة وغيرها مما منع في هذا الأثر عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، وفي الصحيح عن ابن مسعود رضي اللّه عنه هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة، وهو معارض له، ومن ثمة أجازه الجمهور من غير كراهة، ولك أن توفق بينهما بأنه كان مكروها في بدء الإسلام وقبل الهجرة لاستهزاء كفار قريش بذلك، وقد أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة أنّ المشركين قالوا سورة البقرة وسورة العنكبوت يستهزؤن بهما فنزل إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [سورة الحجر، الآية: 95] ثم بعد سطوع نور الإسلام نسخ النهي عنه، فشاع من غير نكير، وورد في الحديث بيانا لجوازه. قوله: (ألم وسائر الألفاظ إلخ) أي هذه وباقيها فإنّ سائر بمعنى باق أو جميعها إن قلنا به، والخلاف فيه معروف بين أهل اللغة وسيأتي تفصيله. وقوله: (يتهجى بها) قال في الأساس: هجا الحروف وهجاها وتهجاها وهو يهجوها ويتهجاها ويتهجوها يعددها وقيل لرجل من قيس: أتهجو القرآن فقال: واللّه ما أهجو منه حرفا، ومن المجاز فلان يهجو فلانا هجاء يعدّد معايبه ونحوه في الصحاح، وفي التهذيب الهجو والهجاء القراءة فيقال أتقرأ القرآن فيقال: لا أهجو فيه حرفا أي لا أقرأ، وكنت أروي القصيدة، فلا أهجو اليوم منها بيتين أي لا أروي وفي القاموس الهجاء ككساء تقطيع اللفظة بحروفها وهجيت الحروف وتهجيتها، ونقل عن الزمخشريّ في حواشيه المروية عنه أنّ التهجي تعداد حروف الهجاء بأشياء منها ألف باء تاء، فإذا وعيت ما ذكرناه لك عن أئمة اللغة، وعرفت أنّ هذا الفعل متعد بنفسه ومفعوله لا يخلو من أن يكون الكلم المنظومة والكلام المركب منها أو الحروف المركبة منها بأنفسها أو أسمائها الدالة عليها، ومعناه على الأوّل القراءة وعلى الأخيرين تعداد الحروف بأنفسها وهو التقطيع أو بأسمائها، وهو ظاهر أو مطلق التعديد، وكلام الأساس ظاهر في الأخير وكلام الحواشي فيما قبله، وكلام القاموس في الثاني وكلام الأزهريّ في الأوّل، فإمّا أن نقول هو مشترك بين هذه المعاني المتغايرة، أو هو حقيقة في بعضها مجاز مسموع من العرب في غيره لأنه هو الذي يعتني به اللغويون، وعلى كل حال فمفعوله كالكلم، والحروف ليس داخلا في مسماه وإلّا لم يكن متعدّيا، كأثمر الشجر بمعنى أطلع الثمر، فإنّ الثمر لما دخل في مسماه لم نقل أثمر الشجر الثمر حتى أنّ السكاكيّ لما استعمله متعديا أوّله الشراح، وهو مثل ما تقدّم في آمين، وذكر أئمة اللغة له كما سمعته دالّ على ذلك وإنما الكلام في دخول متعلقه المجرور بالباء سواء قلنا إنها للصلة، أو للآلة فيحتمل دخوله فيه دخول البصر في أبصرت زيدا أي شاهدته ببصري فلا يذكر إلّا على ضرب من التأويل أو المسامحة أو خروجه خروج العصا في ضربته بالعصا، فإنه قيد خارج قد يذكر وقد يترك، ولما قال العلامة:
الألفاظ التي يتهجى بها أسماء ذكر المدقق في الكشف ما مرّ من كلام اللغويين، وقال إنه