عناية القاضي وكفاية الراضي، ج 1، ص: 4
الكائنات الناطقة بتمجيده، كما أبداه ترجمة الحضرة القدسية، دوحة جرثومة المجد الأبطحية، من قرع هامة العز والشرف، وشنف مسامع الدهر بدرر لا تعرف آذان الصدف، من كتاب تدفقت مياه البلاغة من حياضه، وتفجرت ينابيع الإعجاز خلال رياضه، فشرقت بها المصاقع حسدا، وغصت بعريض العجز كمدا.
كما قال الوليد وقد أصاخ له:
«واللّه إنّ له لحلاوة وإنّ عليه لطلاوة وإنّ أسفله لمغدق وإن أعلاه لمثمر وما هذا بقول بشر» .
والفضل ما شهدت به الأعداء، فكل من ينعم النظر فيه ويمعنه يقول هذا طراز ما أحسنه، وهم ما هم في الجلاد والجدال، وفتح أكمام الأفواه عن أنوار المقال من كل من ساجل الدهر حتى ملّ ساجلته، وصبر حتى وجد صبره من الفرج ضالته، وكانت مناهل تفسيره تردها سابلة الأفهام، والمورد العذب كثير الزحام، وتفسير البيضاوي له من بينها اليد البيضاء لاقتناصه رواتع الأصلين وبدائع الشريعة الغرّاء، وقد تقدّم رتبة وإن جاز منه أخيرا، فلسان حاله يتلو وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا [سورة الفرقان، الآية: 33] وإن أمعنت في تأويله نظرا ليس حسيرا ولا كليلا، فهو خير وأحسن تأويلا.
أتيت بها يدا بيضاء حتى ... كأنك في الذي أبدعت موسى
وقد أحييت موتى الفضل فيها ... كما قد كان يحيى الميت عيسى
له فيه وفور حظ وسلاسة لفظ كما قال البحتري:
قد ركبن اللفظ القريب فأدرك ... ن به غاية المرام البعيد
بل لفظه قريب لكنه أمنع من معشوق له رقيب، وشاؤه بعيد، ولكن ليس لنفس الفكر وراءه تصعيد فيه أنضر روض طابت ثماره، وتفتحت بيد النسيم أنواره، سقاه من صيب «1» البلاغة هتونه «2» ، حتى تشعبت فروعه وتهدّلت غصونه، نجوه بصوب الوحي مغدق، ودوحه في ربيع المعاني مثمر مورق وكنت ممن اجتنى باكورة أبكاره، وتمشت في حدائقه أحداق أفكاره، وقد كثرت حواشيه، ونمّ على ضمائر أسراره وأشيه، وتبرّج القليب بعذب ماؤه، وبإنفاق المال يزكو نماؤه، وبصقل الفرند يبدو جوهره وعنقه، ويزيد في عطر المسك الذكيّ سحقه، راقت محاسنه فالعيون والأذان تهواها، فلو مني الحسن أمانيّ ما تعدّاها.
إذا امتحنت محاسنه أتته ... غرائب جمة من كل باب
(1) الصّياب: الخالص- والخيار من الشيء.
(2) هتنت السماء: انصبّب، أو هو فوق الهطل، أو الضعيف الدائم، أو مطر ساعة، ثم يفتر ثم يعود اهـ قاموس.