فهرس الكتاب
عناية القاضي وكفاية الراضي، ج 7، ص: 193
ديني ويدعو الناس إلى ما كنت أدعوهم إليه، وهو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم
وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ في الآخرة وقد مرّ معنى الوراثة فيها
وَاغْفِرْ لِأَبِي بالهداية والتوفيق للإيمان إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ طريق الحق، وإن كان هذا الدعاء بعد موته فلعله كان لظنه، إنه كان يخفي الإيمان تقية من نمرود، ولذلك وعده به أو لأنه لم يمنع بعد من الاستغفار للكفار
وَلا تَحْزَنِي بمعاتبتي على ما فرّطت أو بنقص رتبتي عن رتبة بعض الوراث، أو بتعذيبي لخفاء العاقبة وجواز التعذيب عقلا، أو بتعذيب والدي أو ببعثه في عداد الضالين، وهو من الخزي بمعنى الهوان أو من الخزاية بمعنى الحياء يَوْمَ يُبْعَثُونَ الضمير للعباد لأنهم معلومون أو للضالين
يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ* إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ أي لا ينفعان أحدا إلا مخلصا سليم فانظره. قوله: (بالهداية) بناء على أنّ الدعاء كان قبل موته كما سيصرّح به، وهذا أحد الوجوه في الآية للسلف ولا يبطله قوله تعالى: كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ [سورة الممتحنة، الآية: 4] إلى قوله الأقول إبراهيم لأبيه لاستغفرنّ لك لأنّ طلب الهداية للكافر أمر حسن كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم: «اللهمّ اهد قومي» «1» الخ والاستثناء المذكور يقتضي خلافه وهو مخالف لقوله: إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ [سورة التوبة، الآية: 114] الآية لأنّ الاستثناء بناء على أنه لا يقتدى به فيه بناء على ظنه مطلقا وقد مرّ تحقيقه. قوله: (وإن كان هذا الدعاء بعد موته) قد ارتضاه بعضهم إذ لا مانع منه عقلا وفي شرح مسلم للنووي أنّ كونه تعالى لا يغفر الشرك مخصوص بهذه الأمة، وكان قبلهم قد يغفر وقد مرّ ما فيه، وحمل قوله فلما تبين له أنه عدوّ للّه على يوم القيامة والتعبير بالماضي لتحققه أو هو كناية أو مجاز عن عدم مغفرة الكفر، ولا يخفى أنّ سياقه له في مقاولة إبراهيم لأبيه وقومه يبعده كما لا يخفى. قوله: (كان يخفي الإيمان الخ) هذا بناء على أنه لا يعتبر فيه الاعتراف والإقرار باللسان، وقوله ولذلك وعده به أي وعد إبراهيم عليه الصلاة والسّلام أباه بالاستغفار له لظنه أنه مؤمن يخفى الإيمان لعذر فتبين عداوته للّه إمّا بالوحي أو في الآخرة، وقوله من الضالين بناء على ما ظهر لغيره من حاله. قوله: (أو لأنه لم يمنع الخ) أي لم يوح إليه بذلك ولا ينافيه قوله فلما تبين الخ كما عرفت، وقوله الخفاء العاقبة الخ بيان لصحة إرادة هذا المعنى ودفع لأنه تحصيل الحاصل، ويجوز أن يكون تعليما لغيره وجواز التعذيب تعليل آخر، وقوله أو ببعثه الخ ولا يلزم منه التعذيب حتى يغني عنه ما قبله، والخزاية بفتح الخاء مصدر وقوله لأنهم معلومون فلا يرد أنه كيف يعود على ما لم يسبق له ذكر، وإذا عاد على الضالين فهو من تتمة الدعاء لأبيه أي لا تحزني يوم يبعث الضالون وأبى فيهم. قوله:
(لا ينفعان أحدا الخ) فالاستثناء مفرغ من أعمّ المفاعيل ومن في محل نصب وقدّم هذا لظهوره،
(1) أخرجه بنحوه البخاري 3477 - 6929 ومسلم 1792 وابن حاجة 4025 وأحمد 1/ 380 - 432 - 441 وابن حبان 6576 والبغوي 3749 كلهم من حديث عبد اللّه بن مسعود. ولفظ البخاري: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» .