فهرس الكتاب
عناية القاضي وكفاية الراضي، ج 7، ص: 215
إلى أوليائهم وأكثرهم كاذبون فيما يوحون به إليهم إذ يسمعونهم، لا على نحو ما تكلمت أو ضبطهم أو افهامهم
وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ وأتباع محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ليسوا كذلك، وهو استئناف أبطل كونه عليه الصلاة والسلام شاعرا وقرّره بقوله:
أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ لأنّ أكثر مقدماتهم خيالات لا حقيقة لها وأغلب كلماتهم في النسيب بالحرم، والغزل والابتهار وتمزيق الأعراض والقدح في الأنساب، والوعد الكاذب والافتخار الباطل ومدح من لا يستحقه والاطراء فيه، وإليه أشار بقوله
وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ وكأنه لما كان إعجاز القرآن من جهة اللفظ، والمعنى وقد قدحوا في المعنى بأنه مما تنزلت به الشياطين وفي اللفظ بأنه من جنس كلام الشعراء تكلم في القسمين وبين منافاة القرآن لهما، لما يسمعونه منهم، وقوله إفهامهم مصدر من الأفعال أي كذبهم لقصور إفهامهم ما يلقونه لأوليائهم، وقوله: وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ على الوجهين وكونه للثاني أظهر. قوله: (أبطل كونه عليه الصلاة والسّلام شاعرا) كما أبطل كون ما يأتي به قبيل الكهانة كما سيشير إليه وإن كان الضمير في قوله ألم تر أنهم للغاوين فالتقرير ظاهر، وكذا إن كان للشعراء فليس الأنسب حينئذ كونه دليلا آخر كما قيل والغاوي من غوي إذا ضلّ، وهو بمعنييه مناسب لما بعده، والوادي معروف والمراد به هنا شعب القول وفنونه وطرقه وشجونه، والهيام أن يذهب المرء على وجهه من عشق أو غيره وهو تمثيل كما في الكشاف والمعنى يخوضون في كل لغو من هجو ومدح، وقوله لأنّ الخ تعليل لكون اتباعهم غيا، والنسيب بنون وسين مهملة ذكر محاسن الحسان، وإظهار التعشق والهيام بها والحرم جمع حرمة وهي المرأة المحرّمة على غير زوجها، والغزل التغزل والتلهي بصفات النساء وذكر الميل لهنّ، والابتهار الكذب بادّعاء الوصول إلى محبوبته قال الأعشى:
قبيح بمثلى نعت النتا ... ة إمّا ابتهارا وإمّا ابتيارا
وفي شرح ديوانه الابتهار أن تقول فعلت بفلانة وأنت لم تفعل والابتيار أن تقول فعلت وقد فعلت اهـ وتمزيق الإعراض استعارة للغيبة بما يقدح في عرض أحد، والإطراء المبالغة في المدح. قوله: (وإليه أشار بقوله الخ) لأنّ قوله يقولون ما لا يفعلون كناية عن أنهم يكذبون فلا يرد أنه لا إشارة فيه إلى مدح من لا يستحق المدح والإطراء، ولا حاجة إلى الجواب بأنّ الفعل عام للقلبي والمدح المذكور فيه إظهار لخلاف ما لا يعتقد ولا إلى القول بأنّ المراد الإشارة إلى جنس ما ذكر. قوله: (وكأنه لما كان إعجاز القرآن الخ) الظاهر أنّ إعجازه من جهة المعنى مطابقته لمقتضى المقام، واشتماله على الأخبار بالمغيبات وأمّا من جهة اللفظ فظاهر، وإذا كان مما تنزلت به الشياطين اشتمل على الأكاذيب فينا في صحة معناه، وإذا كان من جنس كلام الشعراء لم يكن لفظه معجزا ولا معناه حقا، وقوله على التخفيف أي من الأفعال وقوله تشبيها لبعه بعضد أي في ضم ثانيه والضمّ ثقيل فإذا كان بعد الكسر فهو أثقل ومنافاته للأوّل بقوله:
وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ ومنافاته للثاني بقوله: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ الخ والمكافحة