الكنوز ما إنّ مفاتحِهُ لتنوءُ بالعُصبة أولي القوة إذ قال له قومُه لا تفرح إن الله لا يُحِبُّ الفَرحين - سورة القصص /76"فظاهر الآية يفهم منه ذم هذه الصفة الإ أنّ الفرح المنهي عنه هو المفرط منه، الذي تمحض للتعلق بمتاع الدنيا وملذات النفس البشرية لأن في الانكباب عليها اماتة للقلب وانصرافًا عن الاهتمام بالاعمال الصالحة التي تقود الى الكمال النفساني فحذف المتعلق بالفعل لدلالة المقام على ان المعنى لا تفرح بلذات الدنيا معرضًا عن الدين والعمل للآخرة [1] كما افصح عن ذلك فيما بعد قوله سبحانه وتعالى"وابتغ فِيما آتاك الله الدارَ الآخرة - سورة القصص / 77"، وللسياق الأثر الاول في توجيه دلالة اللفظ نحو المدح او الذم قال تعالى في حال الشهداء"ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله أموتًا بل أحياءٌ عند ربهم يُرزقون * فرحين بما آتاهم الله من فضله - سورة ال عمران / 169 - 170"أي مسرورين بما أعدّ الله لهم من نعيم والذي يبدو ان المتعلق بفعل (الفَرَح) هو الذي يميز كون (فَرِح) صفة مشبّهة او بناء مبالغة، فـ"اذا لم يعلق به شيء دلّ على انه صار سجية الموصوف" [2] ، فهو صفة مشبهة نقول: زيدٌ رجلٌ فَرِح أما اذا تعلق به شيء دلّ على شدة الفرح أي المبالغة، نقول زيد فَرح بماله."
وفيما دل على الخوف جاء لفظ (وَجل) على بناء الجمع في قصة ابراهيم عليه السلام مع ضيوفه الملائكة قال تعالى"ونبئهم عن ضيفِ ابراهيم * إذْ دخلوا عليه فقالوا سلامًا قال إنّا منكم وَجِلون - سورة الحجر / 51 - 52"والمعنى خائفون إمّا لا متناعهم من الأكل، أو لأنهم دخلوا بغير إذنٍ وبغير وقت [3] ، ووقعت (وَجِل) في موضع آخر للقلوب وذلك في مَدحٍ للمؤمنين قال تعالى"والذين يؤتون ما أتوا وقلوبهم وَجِلة أنهم الى ربهم راجعون - سورة المؤمنين / 60".
أما عمٍ فهو على بناء (فَعِل) ايضا وهو مشتق من عَمِيَ. يعمى والاصل في الوصف من عمي ان يكون على افعل (أعمى) وقيل أن (أعمى) يقال في العيب الظاهر وهو فقدان البصر [4] ، ويقال في فقدان البصيرة عَمٍ لأنه كالأدواء الباطنة التي يأتي الوصف فيها على (فَعِل) قال سيبويه:"وعَمِيَ قلبُه يَعمى عَمًى وهو عمٍ إنما جعلوه بلاءً أصاب قلبه" [5] .
وقد جاء (عمٍ) في موضعين من القران الكريم وهما قوله تعالى"فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفُلكِ وأغرقنا الذين كذّبوا بآياتِنا إنّهم كانوا قومًا عمين - سورة الاعراف / 64"، وقال تعالى"بل ادّارك علمهم في الآخرة بل هُم في شكٍ منها بل هم منها عمون - سورة النمل /66"والمعنى غير مستبصرين، عميت قلوبهم عن معرفة التوحيد والنبوة والمعاد [6] ، قال ابن عاشور:"و (عمين) جمع عمٍ جمع سلامة بواو ونون، وهو صفة على وزن فَعِل"
(1) ينظر التحرير والتنوير 20/ 178.
(2) التحرير والتنوير 20/ 178.
(3) ينظر الكشاف 2/ 580، والبحر المحيط 2/ 196.
(4) المفردات 353 - 354.
(5) الكتاب 4/ 18.
(6) ينظر البحر المحيط 4/ 323.