وقال تعالى"وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا - سورة الطلاق/8"أي عذابا منكرا عظيما، والمراد بالحساب حساب الاخرة. وعذابها ما يذوقون فيها من الوبال ويلقون من الخسر، والعذاب في الاخرة. لاشك في انه انكر من الحساب، فلما كان سياق الايات الثلاث التي ورد فيها لفظ (نكر) في الانتقال من حالة الى حالة اشد انكارا كان-والله اعلم بالصواب- استعمال (نكر) انسب لما فيها من الدلالة على المبالغة اكثر مما لو جاء بالنكران على صيغة المشتق منكر.
فُعُل
فعل بناء في الاسماء كطنب وعنق واذن والمصادر كشغل [1] ، و (فعل) كذلك من ابنية الجموع المطردة في الاسماء ككتب جمع كتاب، وعمد جمع عمود، وفي الصفات كغفر جمع غفور [2] .
وترد الصفات على فعل ولكن بقلة، قال ابو حيان"وفعل في الصفات قليل" [3] كرجل شلل وروضة انف [4] ، وربما عزيت هذه القلة الى ثقل النطق بضمتين متتاليتين فالعرب تميل الى الخفة في كلامها.
وذكر الاخفش ان عيسى بن عمر زعم ان كل اسم على ثلاثة احرف اوله مضموم فمن العرب من يثقله ومنهم من يخففه نحو: اليسر واليسر والعسر والعسر والرحم والرحم، الا ما كان صفة كحمر او معتل العين كسوق فانهما لا يثقلان الا في ضرورة الشعر [5] ، وعلى هذا فلا فرق بين المخفف والمثقل من حيث المعنى، والذي اراه ان (فعلا) بتثقيل العين ابلغ من فعل باسكانها وسيتضح ذلك من خلال عرض (فعل) في القران الكريم.
ووردت على بناء (فعل) في القران الكريم من ابنية الصفة المشبهة ثلاثة الفاظ هي (جرز، وجنب، ونكر) .
اللفظة الاولى وهي (جرز) وجاءت في موضعين من القران الكريم الموضع الاول في قوله تعالى"أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ - سورة السجدة/27"والموضع الثاني الذي وردت فيه هو في قوله تعالى"وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا- سورة الكهف/8".
والمراد بالجرز الارض الذي لا نبات فيها [6] ، قال الراغب الاصفهاني"صعيدا جرزا أي منقطع النبات من اصله وارض مجروزة اكل ما عليها" [7] وكلام الراغب يوحي بالمبالغة في هذه اللفظة لان هذه الارض قد عدمت من النبت من الاصل.
(1) ينظر شذا العرف ص27.
(2) ينظر المساعد على تسهيل الفوائد 3/ 416، والفيصل في الوان الجموع 47.
(3) البحر المحيط 8/ 175.
(4) ارتشاف الضرب 1/ 173.
(5) ينظر معاني القران للاخفش 1/ 103، وشرح الشافية 1/ 46.
(6) ينظر مقاييس اللغة 1/ 307.
(7) المفردات ص80.