الصفحة 139 من 176

قال تعالى"قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ كالذي استهوته- سورة الانعام/71"ولفظة (حيران) وصف مشتق من الحيرة وهي عدم الاهتداء الى السبيل يقال: حار يحار حيرة فهو حائر وحيران [1] .

وتطلق مجازا على التردد في الامر بحيث لا يعرف مخرجه [2] .

وانتصب حيران على انه حال من الذي.

ونلاحظ ان الموقع الاعرابي الذي احتلته هذه اللفظة انسجم معه ومجيؤها على بناء (فعلان) دون (فاعل) ذلك ان الغالب في الحال ان يكون مشتقًا وان يكون اسم فاعل لما يدل عن حادثة طارئة والحال ليس بصفة دائمة. لكن المقصود في هذه الآية ليس بيان الحالة الطارئة الحادثة فقط وانما المبالغة في هذه الصفة لأن المخاطب بين أمرين عظيمين بين الضلالة المتمثلة في استهواء الشياطين له ودعوة الهدى وهذا هو التيه والحيرة أنفسهما.

ودلت (غضبان) ايضا في القران الكريم على ما دلت عليه حيران من المبالغة في الوصف قال تعالى في بيان حال موسى عليه السلام لما رجع الى قومه"وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِي الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ - سورة الاعراف150"وقد وقعت غضبان حالا من رجع، عبرت عن شدة غضب موسى

(عليه السلام) على قومه لانه عليه السلام جاءهم بالايات والحجج والبراهين العظيمة الدالة على وحدانية الله وتفرده سبحانه بالقدرة على الانعام ومع ذلك فقد اختاروا سبيل الضالين بان اشركوا بالله. ولذا قال تعالى"وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ - سورة الاعراف/154"فهذه الاية عطف على اية"ولما رجع موسى الى قومه"وقد استعير السكوت لذهاب سورة الغضب في نفس موسى عليه السلام [3] قال ابن عاشور"والسكوت مستعار لذهاب الغضب عنه شبه ثوران الغضب في نفس موسى المنشيء خواطر العقوبة لاخيه ولقومه والقاء الالواح حتى انكسرت، بكلام شخص يغريه بذلك وحسن هذا التشبيه ان اغضبان يجيش في نفسه حديث للنفس يدفعه الى افعال يطفيء بها ثوران غضبه فاذا سكن غضبه وهدات نفسه كان ذلك بمنزلة سكوت المغري، فلذلك اطلق عليه السكوت، وهذا يستلزم تشبيه الغضب"

(1) المفردات 125 وينظر اللسان مادة (حير) .

(2) ينظر التحرير والتنوير 7/ 302.

(3) ينظر الكشاف 1/ 165.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت