ومن الدلالات التي يذكرها أهل اللغة للفعل (فاعل) دلالته على غير المشاركة [1] نحو سافرت، وهي الدلالة الأغلب في الأفعال التي ورد عليها اسم الفاعل من (فاعل) في القران الكريم، نحو جاهد - يجاهد واسم الفاعل (مُجاهِد) ولم يرد هذا الفظ في القران الكريم الا جمعًا [2] ، نحو قوله تعالى"لا يستوى القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله - سورة النساء / 95"، وقوله تعالى"ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم -سورة محمد / 39"ومن هاجر - يهاجر ورد لفظ الفاعل (مهاجر) بصيغتي المفرد والجمع [3] ، ومما ورد مفردًا قوله تعالى"فآمن له لوط وقال إنّي مهاجرٌ إلى ربّي إنّه هو العزيز الحكيم - سورة العنكبوت / 26"وبصيغة جمع المذكر السالم جاء قوله تعالى"لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والانصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة - سورة التوبة / 117"وورد لفظ (المهاجرات) مرة واحدة في قوله تعالى"إذا جاءكم المُؤمنات مهاجرات فامتحنوهن - سورة الممتحنة / 10".
وجاء لفظ الفاعل من الفعل (غاضَبَ) في موضعٍ واحد وذلك في قوله تعالى"وذا النون اذ ذَهَبَ مُغاضِبًا فظنّ ان لن نقدر عليه - سورة الأنبياء / 87"وقد ذكر المفسرون في دلالة الفعل هنا وجهين: احدهما دلالة (فاعَلَ) على المشاركة، والثاني دلالته على غير المشاركة [4] ، قال ابو حيان الاندلسي:"وانتصبَ مُغاضبًا على الحال فقيل معناه غضبان وهو من المفاعلة التي لا تقتضي اشتراكًا نحو عاقبت اللص وسافرت، وقيل مغاضبًا لقومه أغضبهم بمفارقته وتخوّفهم حلول العذاب وأغضبوه حين دعاهم الى الله مدة فلم يجيبوه فأوعدهم بالعذاب ثم خرج من بينهم على عادة الانبياء عند نزول العذاب قبل أن يأذن الله له في الخروج" [5] .
والقول بأن (مغاضِبًا) هنا معناه (غضبان) لا يعني ان صيغة (فعلان) (غَضبان) تقوم مقام صيغة (مغاضبًا) تحلّ محلها لان استعمال القران الكريم للصيغ المختلفة من الجذر اللغوي الواحد انما يقع على وفق ما يتطلبه السياق والمعنى، فالمبالغة وان كانت مطلوبة في هذا
(1) ينظر ابنية الصرف في كتاب سيبويه ص 395.
(2) ينظر المعجم المفهرس لألفاظ القران الكريم ص 183.
(3) ينظر نفسه ص 731.
(4) ينظر الكشاف ج3/ 131.
(5) البحر المحيط 6/ 334، وينظر التحرير والتنوير 17/ 130 -131.