يكون دافق هنا بمعنى مدفوق عادًا القول بذلك تكلفًا اذ قال:"... وليس الماء الدافق بمعنى المدفوق بل هو فاعل على بابه كما يقال ماء جارٍ فدافق كجار فما الموجب للتكلف البارد" [1] .
وقال الرازي في تفسير قوله تعالى"وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا- سورة البقرة/126": (بلدًا امنًا) يحتمل وجهين، احدهما مأمون فيه كقوله تعالى (عيشة راضية) أي مرضية، والثاني: ان يكون المراد اهل البلد، كقوله تعالى (وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ) [2] أي اهلها وهو مجاز، لان الامن والخوف لايلحقان البلد" [3] ، وقال أبو حيان:"ووصف بلد بآمن اما على معنى النسب أي ذا أمن ... او على الاتساع لما كان يقع فيه الأمن وجعله امنًا كقولهم نهارك صائم وليلك قائم ... وقال القفال معناه مامونًا فيه ..." [4] ."
ولتشابه آراء المفسرين وتكرارها في عامة الألفاظ المشار إليها وتحاشيًا للتكرار في عرضها رأيت من المناسب أن أورد هذه الألفاظ ومواضع ورودها في القرآن الكريم، ومواضع إشارات اللغويين والمفسرين الى ما قيل فيها ضمن جدول جامع لها [5] .
وبعد هذا يمكن القول ان العلماء الأوائل الذين استوت قواعد اللغة على أصولها في عهدهم منهم سيبويه مثلًا لم يقرروا دلالة (فاعل) على (مفعول) بل ذكروا - كما سبق - ان هذا من قبيل إرادة النسب أي ذو الشيء، لا انه باب من أبواب الدلالة في الصيغ، يزاد على ذلك ان بعضهم قد رفض هذه الدلالة اصلًا، وكذلك لم يجزم المفسرون بدلالة (فاعل) على مفعول بل رددوا ما قاله من تقدمهم من العلماء فضلًا عن ان بعضهم قد رفض هذه الدلالة.
وعلى هذا فان مجيء (فاعل) موقع (مفعول) لابد من صرفه الى أحد الوجوه التي ذكرها العلماء وهي: (اما انه بمعنى النسب، او انه من باب المجاز، أو انه فاعل على حقيقته) - وان كان فيه معنى المفعولية - ولاموجب لتكلف التأويل ما دام مخالفًا للقياس وما دام في الوجوه التي ذكرت مناسبة للسياق ووجه مفهوم في اللغة، إذ يمكن ان يكون الماء دافقًا على حقيقته. كما يقال: ماء جار لان المقصود هنا هيئة ما اسند إليه الحدث في لحظة الحديث عنه فالماء متدفق في تلك اللحظة من غير ان يلتفت إلى أسباب تدفقه، وكذا يقال للماء الجاري ولايعبأ بكونه جاريًا بفعل الضغط او الانحدار او غير ذلك، وكذا اذا حمل على النسب أي انه ذو دفق فهو ذو جريان سريع وليس المقصود اهو جار بنفسه ام مجرى بفعل غيره، ثم انه بالرجوع إلى المعنى المعجمي لمادة (دفق) نجد ما يعيننا على تأويل (دافق) بالفاعل حقيقة، جاء في مقاييس اللغة:"الدال والفاء"
(1) بدائع الفوائد 3/ 68.
(2) آية 82 سورة يوسف.
(3) التفسير الكبير ج4/ 60.
(4) البحر المحيط ج1/ 383.
(5) ينظر الجدول